18‏/12‏/2017

أبو جعفر الموسوي

أسـباب الثورة علـى عثمان بن عفـان


قبسات » مقتبس من كتاب جدلية الصحابة بين النص والعقل والسيرة لسماحة السيد (دام ظله)  
 
لقد كانت دوافع الثورة على عثمان كثيرة ومتشعبة يتصل بعضها بالسقيفة وما أحدثته من تراكمات مملوءة بالمظالم والبدع والضلالات التي حملت معها تداعيات واسعة أثرت سلباً على واقع الأمّة ومستقبلها حتى لمَّا وصلت الحاكمية إلى عثمان بن عفان فإنَّ تلك الأجواء والمناخات ساعدته أيضاً على مخالفة الكتاب والسُنَّة والتمادي في انحرافه وطغيانه فقد أضاف أسباب أخرى للثورة عليه حيث صار يصول ويجول ببني أمية على المسلمين وقد سَلَّم مفاتيح الحكم وبيت مال المسلمين إلى الشجرة الملعونة الذين طاروا فرحاً واستشعروا النصر والغَلَبَة بتلك الزعامة الكبرى التي طالما كانوا يُخططون لها ،
وقد اجتمع بنو أمية عند عثمان في داره عقيب بيعته ، فقال لهم أبو سفيان(1): [أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عدي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تَلَقَفُوِهَا تلقُفَ الكرة، فوا لذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرَنَ إلى صبيانكم وراثة].
وقد وصف أمير المؤمنين () بعض أحوال عثمان و حاكميته في خطبته الشقشقية فقال : [إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثليه ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن إنتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ، فهذه كانت صفة بطانته وولاته ، وهم لا يصلحون لقيادة أمور المسلمين ولا يأتمنون عليها ، فلم يكن فيهم إلاّ ملعون أو فاسق أو مرتد أو غر لا خبرة له بأمور العباد وسياسة البلاد].

وهكذا أحكم الأمويون سيطرتهم على بلاد المسلمين وأموالهم وقد ساروا بهم بقبضة حديدية نتيجة ما يحملون من أحقاد وثارات وعقلية جاهلية ، ولم تغب عنهم انتصارات المسلمين عليهم في بدر والأحزاب حتى فُتحت مكة عليهم عنوة ودخلوا الإسلام كارهين فكانت سيرتهم مع المسلمين كاشفة عن نواياهم وأهدافهم وتآمرهم على الإسلام والمسلمين وصاروا يشترون ذمم الناس ويُخالفون أوامر الله ورسوله علانية من دون حياء أو خوف بل ويعتدون على صحابة رسول الله المؤمنين بالضرب والنفي والحصار ... ، فوصل الحال بالمسلمين وبالأخص الصحابة منهم إلى نفاد الصبر واتخاذ خطوة جريئة وهي قيام ثورة شعبية عارمة تحالف فيها الأضداد لاختلاف نوايا بعضهم عن بعض وكذا طموحاتهم وأهدافهم إلا أنَّهم كانوا يحملون هدفاً محورياً وهو إسقاط عثمان وبني أمية وإزاحتهم عن حاكمية المسلمين لسوء سياستهم وتدبيرهم وكذا عدوانهم وظلمهم ونهب الأموال وتراجع الأمة عن أداء الرسالة والمخالفات الصريحة لأحكام الشريعة وما إلى ذلك مما سنذكر بعضاً منه على شكل نقاط ببيان أسباب وإلا فالأعمال الموبقة والقبيحة والظالمة كثيرة جداً .

السبب الأول :
ولّى عثمان المرتدين والمطرودين والفاسقين والمنافقين من أقرباءه أعلى المناصب في الدولة بل جعل إدارة شؤون البلاد والعباد بأيديهم .
فقد روى ابن شبة بسنده عن سالم بن أبي الجعد قال(1): فقال عثمان :[ لو أن مفاتيح الجنة في يدي لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم ، والله لأعطينهم ولاستعملنهم على رغم أنف من رغم].
فقام عثمان بعدة أمور منها :
1- قام عثمان بتوسيع نفوذ دائرة معاوية بن أبي سُفيان على الشام كلّها ومنحه صلاحيات واسعة جداً بعدما كان والياً على دمشق خاصّة من قبل عُمر بن الخطاب !!!.
2- قام عثمان بتوزير الوزغ الملعون على لسان رسول الله () مروان بن الحكم وجعل بيده إدارة قصر الإمارة و الحاكمية في المدينة فكان يتصرف بالصادر والوارد وأمور السياسة والأموال والحقوق بما يُمليه عليه وزيره مروان !!! علماً أنَّ مروان كان مع أبيه الحكم بن العاص منفياً خارج المدينة حيث طردهم رسول الله ولعنهم إلا أنَّ عُثمان أعادهم ومنحهم ما يُريدون .
3 - عزل عثمان سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة وولَّى مكانه الوليد بن عقبة بن أبي المعيط  الأخ غير الشقيق لعثمان من جهة أمِّه وهو الفاسق المعروف الذي نزلت بشأنه آية النبأ ، وهو المتجاهر بشرب الخمر والفسوق والفجور!!!.
4 - ولَّى عثمان أخاه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح على مَصر وهو المرتد الذي كذب على الله ورسوله وقد حَكمَ عليه رسول الله بالقتل .
 5- ولَّى عثمان ابن خاله عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل الصحابي أبا موسى الأشعري عنها .

السبب الثاني :
قسَّم أموال المسلمين على بني أمية وأثراهم على حساب حقوق سائر الناس ، ولم يكتفي عثمان لهم بالعطاء بل زاد لهم على ذلك المُنَح والهدايا وقطعَ لهم أراضي الفيء بما زاد ذلك من غضب الناس ونقمتهم عليه ، ولم يكن فساده المالي والإداري خافياً على أحد بل هو أمر شائع بين المسلمين وقد دوَّنته المصادر والكتب المعتمدة وكان من جملة ما فعل أنَّه منح عمَّه الحكم بن العاص الملعون وطريد رسول الله () مائة ألف درهم من بيت مال المسلمين بعد أن أرجعه من الطائف إلى المدينة مُعززاً مُكرماً وهو بهذا قد خالف حُكمَ رسول الله () جهاراً نهاراً ولم يُبالي لصيحات المسلمين عليه بشأن ذلك ، بل أنَّه زوَّج ابنته من الوزغ الملعون مروان بن الحكم الذي تسلط على الحُكم وعلى بيت مال المسلمين بعد ذلك !!! بل أقطعه فدكاً يتصرف فيها مروان بما يشاء ، وقد وزَّع أموال المسلمين على أبي سفيان والحارث بن الحكم بن العاص وغيرهما كما أعطى الفيء من فتح إفريقية إلى المرتد عبد الله بن أبي سرح ومنح خُمس غنائمها إلى مروان وغير ذلك مما هو كثير والذي لسنا بصدد التفصيل فيه ولكن لبيان بعض الأمثلة للفساد والانحراف العظيم والمشهور .  
وقد روى الطبري أنَّ عليا () جاء مُغْضَبا حتى دخل على عثمان فقال(1) : [أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يُقَاد حيث يُسَار به والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يُصدرك وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهلت شرفك وغلبت على أمرك ، فلما خرج علي دَخَلَتْ عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته فقالت: أتَكَلَّّم أو أسكت ؟ فقال:تكلمي ، فقالت:  قد سَمِعْتُ قولَ علي لك وإنه ليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء ...] .
وقال ابن كثير بشأن مروان وتأثيره على عثمان (2) : [وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي () ، وإنما أسلم يوم الفتح، وقدِمَ الحكَم المدينة ثم طرده النبي () إلى الطائف ، ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان لأنه زوَّر على لسانه كتابا إلى مصر بقتل أولئك الوفد، ولما كان متوليا على المدينة لمعاوية كان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وقال له الحسن بن علي: لقد لعن الله أباك الحكَم وأنت في صلبه على لسان نبيه] .

السبب الثالث :
اعتداءه بالضرب والنفي على صحابة رسول الله )صلى الله عليه وآله وسلم(الأجلاء كأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر بل أنَّه تمادى في طغيانه أكثر حينما هَدَّدَ أمير المؤمنين () بالنفي بعدما دافع عنهما ، فعثمان يرفض نصيحة أصحاب رسول الله بل صار يواجههم بالشدة والعنف والتهديد وقد غرق في ظلمات وفساد أقربائه من بني أمية.
فقد روى ابن شبة بسنده عن المغيرة قال(1) : [اجتمع ناسٌ فكتبوا عُيُوب عثمان، وفيهم ابن مسعود فاجتمعوا بباب عثمان ليدْخُلوا عليه فيكلَمُوه، فلما بلغوا الباب نكلُوا إلا عمار بن ياسر فإنه دخل عليه فَوَعَظَه، فأمَرَ به فَضُرِبَ حتى فتَقَ فكان لا يَسْتَمْسِك بَوْله. فقيلَ لعمّار: ما هذا? قال: إني مُلَقًّى من قريش لقيتُ منهم في الإسلام كذا، وفعلوا بي كذا، ثم دخلت على هذا يعني عثمان فأمَرْتُه ونًهَيْتُه، فصنع ما ترون فلا يَسْتَمْسِك بولي] .
واخرج ابن أبي شيبة بسنده عن سالم بن أبي الجعد قال(2) : [كتب أصحاب محمد () عيب عثمان ، فقالوا : من يذهب به إليه ؟ فقال عمار : أنا ، فذهب به إليه ، فلما قرأه قال : أرغم الله بأنفك ، فقال عمار : وبأنف أبي بكر وعمر ، قال ، فقام -عثمان- ووطئه حتى غشي عليه ، قال : وكان عليه سان ، قدل : ثم بعث إلى الزبير وطلحة فقالا له -أي لعمار- : اختر إحدى ثلاث : أما أن تعفو -أي عن عثمان- ، وإما أن تأخذ الأرش ، وإما أن تقتص ، قال : فقال عمار : لا أقبل منهن شيئا حتى ألقى الله ، قال أبو بكر : سمعت يحيى بن آدم قال : ذكرت هذا الحديث لحسن بن صالح فقال : ما كان على عثمان أكبر مما صنع] .
وروى ابن شبة بسنده عن سالم بن أبي الجعد قال(1) : [دعا عثمان ناسا من أصحاب رسول الله () وفيهم عمار فقال: إني سائلكم، أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله () كان يؤثر قريشا على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكت القوم، فقال: لو أن مفاتيح الجنة في يدي لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، والله لأعطينهم ولاستعملنهم على رغم أنف من رغم. فقال عمار: على رغم أنفي ؟ قال: على رغم أنفك. قال: وأنف أبي بكر وعمر ؟ فغضب عثمان فوثب إليه فوطئه وطأ شديدا، فأجفله الناس عنه، ثم بعث إلى بني أمية فقال: أيا أخابث خلق الله أغضبتموني على هذا الرجل حتى أراني قد أهلكته وهلكت. فبعث إلى طلحة والزبير فقال: ما كان نوالي إذ قال لي ما قال إلا إن أقول له مثل ما قال، وما كان لي على قسره من سبيل، اذهبا إلى هذا الرجل فخيراه بين ثلاث، بين أن يقتص أو يأخذ أرشا أو يعفو. فقال: والله لا أقبل منها واحدة حتى ألقى رسول الله () فأشكوه إليه. فأتوا عثمان. فقال: سأحدثكم عنه، كنت مع رسول الله () آخذا بيدي بالبطحاء فأتى على أبيه وأمه وعليه وهم يعذبون، فقال أبوه: يا رسول الله أكل الدهر هكذا ؟ قال: قال:
اصبر ياسر: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت] .
وأمَّا بشأن أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه فقد روى البلاذري بسنده عن قتادة قال(1) : [تَكَلَّم أبو ذر بشيء كرهه عثمان فكذَّبَه فقال - أبو ذر- : ما ظننت أن أحداً يُكَذِّبني بعد قول رسول الله (): (ما أقلَّت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر) ، ثم سيَّره إلى الربذة، فكان أبو ذر يقول : ما ترك الحق لي صديقاً؛ فلما سار إلى الربذة قال: رَدَّني عثمان بعد الهجرة أعرابياً. قال: وشيَّع عليّ أبا ذر فأراد مروان منعه منه، فضرب عليّ بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين عليّ وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان: ما أنت بأفضل عندي منه، وتغالطا، فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا] .
وقد روى البلاذري أيضاً (2) :[أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال: رحمه الله، فقال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: إلْحَق بمكانه، فَلَمَّا تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليٍّ فسألوه أن يُكَلِّم عثمان فيه ، فقال له علي: يا عثمان اتق الله فإنك سيَّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهَلَكَ في تسييرك، ثم أنت الآن تُريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُمْ ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيَّرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ، فكف عن عمار] .

السبب الرابع : 
ما ذكره المحدثون والمؤرخون أنَّ من جملة أسباب قتل عثمان هو ما صدر
عن ديوانه من كتاب بنقش خاتمه يأمر بقتل جماعة ممن تصالح معهم عثمان على أمور تعهد لهم أن يقوم بتصحيحها وقد اعترف لهم بها وأقر لهم ما يُريدون مقابل أن يتركوا الثورة ويرجعوا إلى أهلهم في مصر ، وقد خرجوا منه راضين ، وكانت هذه العملية برعاية أمير المؤمنين () وشهادته حينما لم يجد عثمان مَن يقف إلى جانبه بعدما دعا ولاته من بني أمية ولم يستجب إليه أحد كما لم يستجب له عموم الصحابة فبقي وحيداً ، فصار يتوسل بعلي () أن يكون وسيطاً بينه وبين الثوّار ولم يجد الإمام علي () إلا أن يؤدي رسالته وقد تكرر منه هذا الموقف مرة بعد مرة إلا أنَّ بني أمية في كُلّ مرة يعمدون إلى تهديم هذا البناء فيؤدي إلى تراجع عثمان عن الوفاء بعهوده والتزاماته لأمير المؤمنين والثوّار، وقد روى الطبري في تاريخه (1): [فلما رأى عثمان ما رأى جاء علياً فدخل عليه بيته، فقال: يابن عم، إنه ليس لي غيرك؛ وإن قرابتي قريبة؛ ولي حق عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبحي؛ وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرا، وأنهم يسمعون منك، فأنا أحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإني لا أحب أن يدخلوا علي؛ فإن ذلك جرأة منهم عليَّ، وليسمع بذلك غيرهم. فقال علي: علام أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرت به عليّ ورأيته لي؛ ولست أخرج من يديك؛ فقال علي: إني قد كنت كلمتك مرة بعد مرة، فكل ذلك نخرج فتكلم، ونقول وتقول؛ وذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية؛ أطعتهم وعصيتني.قال عثمان: فإني أعصيهم وأطيعك....
قال : وركب علي () إلى أهل مصر، فردَّهم عنه، فانصرفوا راجعين].
ولكن لمَّا تأزَّمت الأمور وأصبح الوضع العام لحاكمية عثمان في مأزق سياسي وأمني واجتماعي لا يُطاق وقد تعددت الجبهات عليه لنكثه العهود والمواثيق ، قال أمير المؤمنين لعثمان : وأيم الله إني لأراه - مروان - سيوردك ثم لا يُصدرك وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، حيث جاء الثوّار لأمير المؤمنين وهُم يحملون معهم كتاب منقوش عليه بخاتم عثمان قد أخذوه من عامله في الطريق حينما راودهم الشك فيه ، ولمّا فتحوا الكتاب وجدوا فيه الأمر إلى والي عثمان في مصر أن يقتل فلان وفلان .
وقد روى ابن أبي شيبة عن حصين بن عبد الرحمن قال حدثني جهم وهو رجل من بني فهر ، قال (1):[ أنا شاهد هذا الأمر قال : فما جاءوا بشيء إلا خرج منه قال : فانصرفوا راضين ، فبينما بعضهم في بعض الطريق إذ مَرَّ بهم راكب فاتهموه ففتشوه فأصابوا معه كتابا في أداوه إلى عاملهم أن خذ فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم ، قال : فرجعوا فبدؤوا بعلي فجاء معهم إلى عثمان ، فقالوا : هذا كتابك وهذا خاتمك ، فقال عثمان : والله ما كتبت ولا علمت ولا أمرت ، قال : فما تظن ؟ قال أبو محصن : تتهم ، قال : أظن كاتبي غدر .... قال : فدخل عليه أبو عمرو بن بديل الخزاعي التجيبي ، قال فطعنه أحدهما بمشقص في أوداجه وعلاه الآخر بالسيف فقتلوه ، ثم انطلقوا هرابا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار حتى أتوا بلدا بين مصر والشام ، قال فمكنوا في غار ، قال : فجاء نبطي من تلك البلاد معه حمار ، قال : فدخل ذباب في منخر الحمار ، قال : فنفر حتى دخل عليهم الغار ، وطلبه صاحبه فرآهم : فانطلق إلى عامل معاوية ، قال : فأخبره بهم ، قال : فأخذهم معاوية فضرب أعناقهم ] .
وقصة عثمان بشأن هذا الكتاب مما ينطبق عليه قول الشاعر :

إذا كُنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ     وإن كُنتَ تدري فالمُصيبة أعظمُ
فإذا كان عثمان لا يعلم بهذا الكتاب المختوم بختمه فهو مُصيبة حقا لأن 

حاكم المسلمين لا يقوى على حفظ خاتمه من التلاعب فكيف سيحفظ ويُدَبِّر أمور المسلمين في معاشهم ومعادهم ؟! ، كما أنَّه ليس بيده الأمر والنهي ولا يدري ما يصدر من ديوانه ولا ما يرد إليه حيث أنَّ بني أمية الشجرة الملعونة كانوا يتصرفون فيه وبمقدرات المسلمين بما يشاءون والنتيجة أن يقول : لا علم لي بهذا الكتاب .
وأمَّا إذا كان يعلم بصدور هذا الكتاب وقد ختم عليه بإرادته فإنَّ هذا مما يُعَدّ خيانة عُظمى ونكث للعهود والمواثيق وغدر بالقوم الذين تصالح معهم على بنود محددة ، وهي مصيبة وكارثة تصدر من شخص صحابي يعتبره القوم خليفة المسلمين !.
وروى الطبري قضية كتاب عثمان بطرق متعددة (1) :[وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر - حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشد أهل الأمصار عليه: أما بعد؛ فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك؛ فانظر فلانا وفلانا فعاقبهم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله ()، ومنهم قوم من التابعين - فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السلمي، حمله عثمان على جمل له، ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق، فسألوه: أين تريد؟ قال: أريد مصر؛ ومعه رجل من أهل الشام من خولان؛ فلما رأوه على جمل عثمان، قالوا له: هل معك كتاب؟ قال: لا، قالوا: فيم أرسلت؟ قال: لا علم لي، قالوا: ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسلت! إن أمرك لمريب! ففتشوه، فوجدوا معه كتابا في أداوه يابسة، فنظروا في الكتاب، فإذا فيه قتل بعضهم وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم. فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعهم ، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة].
وروى الطبري أيضاً (1) : [وخرج عمرو بن حزم الأنصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب، فأخبرهم الخبر، وسار معهم حتى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على أنك زعمت أنك تائب من إحداثك، وراجع عما كرهنا منك؛ وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه! قال: بلى؛ أنا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك؛ وكتبت به إلى عاملك؟ قال: ما فعلت ولا لي علم بما قولون. قالوا: بريدك على جملك، وكتاب كاتبك عليه خاتمك؛ قال: أما الجمل فمسروق، وقد يشبه الخط الخط، وأما الخاتم فانتقش عليه، قالوا: فإنا لا نعجل عليك؛ إن كنا قد اتهمناك، اعزل عنا عمالك الفساق، واستعمل علينا من لا يُتَهم على دمائنا وأموالنا، واردُد علينا مظالمنا. قال عثمان: ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتم، وأعزل من كرهتم، الأمر إذا أمركم ! قالوا : والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن، فانظر لنفسك أو دَع. فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله، فحصروه أربعين ليلة، وطلحة يصلي بالناس].

السبب الخامس :
طمع عائشة وطلحة والزبير وأقرانهم بالحُكم والمصالح الضيِّقة حيث لم ينالهم ذلك النصيب الوافر من إدارة شؤون البلاد وتحصيل الهبات والعطايا وغيرها ، وقد زادوا من غضب المسلمين على عثمان وأشاعوا بشكل مُلفت للنظر انحرافه في سياسته الإدارية والمالية والحقوقية بل حرَّضوا علانية على قتل عثمان وإسقاط حاكميته ووصفوه بأبشع الأوصاف كنعثلة ، وكانت مسلكية عثمان المنحرفة وإصراره على مواقفه فرصة يستثمرها هؤلاء لتحقيق طموحاتهم وأهدافهم حتى آل الأمر به إلى القتل بعدما حاصروه وقد استنجد بمعاوية والبقية من آل أمية إلا أنَّهم خذلوه وتركوه يُواجه مصيره بنفسه في حين أنَّ معاوية كان لديه الوقت الكافي لإنقاذه بجيش الشام ولكنه لم يفعل وانتظر إلى ما ستؤول إليه الأمور من أجل رسم خارطة جديدة لواقع الأمويين بعد أن عَلِمَ بأنَّ صورة عثمان قد احترقت لدى المسلمين ولا فائدة من بقائه حتى لما وصله خبر مقتله أخذ معاوية هذا الأمر كذريعة يستفيد منها لتحقيق أهدافه وطموحاته الكبرى ، فراح يرفع قميص عثمان المُلطخ بدمه لإعلان تمرده وعصيانه على الدولة الإسلامية بقيادة الإمام علي () بعدما أمر بعزله ، فصار يُحارب راية الحق تحت شعار الطلب بدم عثمان وهو يرفع قميصه لتحريض الناس على الحرب من أجل مشروع الدولة الأموية التي كان يُخطط لها الأمويون منذ يوم السقيفة وما بعدها على عهد أبي بكر وعُمَر وعُثمان حيث استفادوا من هؤلاء أعظم استفادة للوصول إلى أهدافهم واستمكانهم من مواضع صنع القرار والسلطة .
ولم يكن معاوية وحده يُطالب بدم عُثمان بل أنَّ عائشة وطلحة والزبير ومَن معهم اتخذوا نفس الذريعة للخروج على إمام زمانهم وقتاله بدعوى المطالبة بقتلة عثمان للاقتصاص منهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
♦ بإمكانكم مراجعة الكتاب للإطلاع على الهوامش والتعليقات ومصادر الروايات .

no image

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك