الاثنين، 18 ديسمبر 2017

أبو جعفر الموسوي

لماذا لَمْ يُسَلِّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) قتلة عثمان ؟

 
قبسات » مقتبس من كتاب جدلية الصحابة بين النص والعقل والسيرة لسماحة السيد (دام ظله) 

فإن قُلت :
لماذا لَمْ يُسَلِّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) قتلة عثمان إلى هذه الأحزاب لكي ينفذوا القصاص بهم وبذلك يتخلص من مكائد وبغي هذه الأحزاب وبالتالي يدرأ عنه حرب الجمل وكذا حرب صفين ؟ .


قُلت :
ينبغي العلم بأنَّ القصاص ليس أمراً فوضوياً يُمارسه الغوغاء من الناس ليخرجوا به عن حدود الشرع الشريف ويعتمدوا التُهم السياسية والمصالح الضيِّقة والعصبية القبلية لتصفية الخصوم والمنافسين بلا مراعاة لواقع القصاص وحدوده فيرتكبوا لأجله ما يُدخلهم نار جهنم فيخرجوا على إمام زمانهم ويُفارقوا جماعة المسلمين ويرفعوا راية عمية جاهلية ويسفكوا الدماء المحترمة ويُضلّوا الناس ويُحدثوا في الدين ما يؤثر على مستقبل الأجيال وواقع المسلمين و...، وهذه المسلكية المنحرفة الضالّة بتراكم أفعالها القبيحة تكشف يقيناً عن كون المقصود أولاً وبالذات ليس هو القصاص بل أنَّ القوم اتخذوه ذريعة للخروج على إمام زمانهم لأهداف يطمحوا لتحقيقها وهي السلطة والمال ولا يكون ذلك إلا بإسقاط حاكمية أمير المؤمنين أو قتله تحت أيِّ ذريعة ولذا كانت دعوتهم مطالبة الإمام (عليه السلام) بتسليم قتلة عثمان الذين انضموا إليه تحت إمرته وهُم يُدركوا بأنَّ علياً (عليه السلام) بحسب علمه وعدالته وشجاعته لا يُسلِّم أحداً ممن يتهموه بالقتل ولا يُقرّ لأحدٍ منهم بشيء إلا من خلال محاكمة عادلة تنصف الجميع كما أنَّه يعلم بأنَّ عثمان لا قيمة له عند هؤلاء البغاة المفارقين للجماعة والعصاة الضالِّين ، ولو كانوا قاصدين القصاص حقيقة لسلكوا الطريق الشرعي برفع دعوى أصولية إلى الحاكم الشرعي وتسمية قتلة عثمان لمقاضاتهم وبالتالي يقوم حاكم المسلمين باتخاذ إجراءات تحقيقية لتحديد مَن هو القاتل واقعاً ؟ ، وما هي أسباب ودواعي القتل ؟ ، وهل ما فعله المقتول بالمسلمين من ظلم وجور وفساد يستحق عليه القتل أم لا ؟ ، ثُمَّ بعد ذلك يعقد جلسة قضائية أصولية لاتخاذ القرار والحكم في تلك الدعوى وفق الأدلة الحقيقية وليست التُهم السياسية والمصلحية ، كما أنَّه ليس لأحد من المسلمين أن يتصرف ويتهم مَن يشاء وفق هواه ومصالحه وأهدافه ليمارس القتل بحق خصومه ومنافسيه تحت ذريعة القصاص بعيداً عن النظام الشرعي والقضاء العادل ، ولكنَّ عائشة ومَن معها وكذا معاوية وأهل الشام لم يسلكوا الطريق الأصولي الشرعي لأنَّه لا ينسجم مع أهدافهم وتطلعاتهم بالوصول إلى السلطة والمال ولا يُغطي واقعهم السيئ ودورهم الكبير ومشاركتهم الفاعلة بقتل عثمان ولذا سلكوا طريق إحداث الفوضى والبغي على إمام زمانهم وقد خرجوا عن طاعته وفارقوا جماعة المسلمين لتضليل الناس وكانت نتائج أهدافهم الضالّة هي حرب الجمل وبعدها حرب صفين .
وعلى كُلّ حال فإنَّ أسباب قتل عثمان معروفة وقد ذكرنا جملة منها في نقاط فراجع ، كما أنَّ قتلة عُثمان معروفون أيضاً ، منهم مَنْ ساهم بقتله بشكل غير مباشر ومنهم مَنْ ساهم بقتله بشكل مباشر ، و لربما يُنسب القتل إلى السبب الأقوى من أطراف هذا الحدث ولا أقل أنَّه لا ينجو من العقاب أحد منهم إذا ثبت عدم شرعية قتل عثمان ولذا فإنْ أراد علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يقتص مِن قاتليه فلابد من أن يأتي بعائشة وطلحة والزبير ومَن معهم لأنَّهم حرَّضوا المسلمين تحريضاً شديداً على حصار عثمان وقتله وكانت لهم اليد الطولا بهذا الأمر ، كما لابد من محاسبة الأمويين وعلى رأسهم معاوية ومروان والوليد وعبد الله بن أبي سرح وابن عامر وغيرهم من الفاسقين والضالّين والملعونين الذين أفسدوا في الأرض وظلموا الناس وما راعوا حرمة لأحد من الصحابة والتابعين بل لم يلتزموا بالكتاب والسُنَّة وكانوا يُمثلون مجلس الشورى لعثمان واليد الحديدية الضاربة له ومع ذلك فقد خذلوا قريبهم عثمان وتركوه يُواجه مصيره ، ثُمَّ إنَّ اليَد المباشرة لقتل عثمان من الصحابة وأبنائهم لم تكن لتثور عليه ثورة شعبية عارمة وتُحاصره وتقتله إلا لكونه لا يُمثل إرادة الشارع المُقدّس وأكثر من ذلك أنَّه طغى واستعلى وقد مارس الفساد والإفساد في حاكميته بحيث لم يترك جهة إلا وكانت فاسدة إدارياً ومالياً وأمنياً وسياسياً واجتماعياً و...حتى طفح الكيل ونفد صبر الناس مما أصابهم من الضرر البليغ فلم يقوى أحد منهم على تحمل هذه المفاسد والمظالم ولذا اجتمعت عندهم أسباب كثيرة ودوافع شديدة لقتله ، وقد حصد ما زرع .
ولذا لم يرفع هؤلاء أمرهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) للقضاء في قتل عثمان لأنَّ العدل يقتضي محاسبتهم باعتبار أنهم شاركوا في قتله وكانوا سبباً قوياً فيه ، بل أنَّهم خرجوا عن طاعة الإمام (عليه السلام) وفارقوا الجماعة ليس لأجل المطالبة بدم عثمان بل لأجل استكمال المشروع الدنيوي السلطوي الذي طمحوا وسعوا لتحقيقه ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وحينئذٍ رفعوا قميص عثمان لمواصلة العمل من أجل السلطة والمال .
وبذكر هذه الأسباب الرئيسية الخمسة نكتفي عن الخوض في التفاصيل أكثر وقد يطول بنا المقام ، ولكن ينبغي على العاقل الحُر أن يُمَيِّز بين الصحابة حيث أنَّ بينهم المسلم والمرتد الكافر ، والمؤمن والمنافق ، والعادل والفاسق ، والعالم والجاهل ، والبريء والمُجرم ، والطريد والقريب وغيرها من التصنيفات التي شأنهم شأن غيرهم من سائر الناس إلى أن تقوم الساعة فلابد أن يخضعوا لميزان الجرح والتعديل ولا تنفعهم الصُحبة لكونها غير عاصمة لأهلها من الوقوع في الخطأ والخطيئة والضلال بل الذي ينفعهم هو النية الصادقة والعمل الصالح الذي يكشف عن واقع تلك الصُحبة فيما إذا كانت صُحبَة حسَنَة أم صُحبَة سيئة .
ويُمكن أن نذكر أيضاً واحدة من تداعيات هذا الخلاف والنزاع حيث استثمر معاوية مقتل عثمان لإشعال الحرب بين المسلمين وضرب بعضهم ببعض لتبقى الساحة فارغة له يشغلها بما يُريد ، وكان من جملة ما قام به معاوية آنذاك أن أرسل واليه الصحابي بُسر بن أرطاة ليعيث فساداً في مكة والمدينة واليمن وصار يُطالبهم بالبيعة لمعاوية ، ومن المعلوم أنَّ بُسر من الصحابة المنحرفين والضالّين الذي أجرم بحق المسلمين كثيراً، فقد قال الدارقطني عنه (1): له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
وقال الذهبي (2): بسر بن أرطاة أو بن أبي أرطاة العامري صحابي له حديثان عنه جنادة بن أبي أمية وأيوب بن ميسرة وكان من أمراء معاوية خرف وبقي إلى دولة عبد الملك .
وأثبت غير واحد أنَّ بُسر بن أرطاة له صُحبَة ورواية (3) .
 وقال ابن حجر (4) : أنَّه من صغار الصحابة مات سنة ست وثمانين .
وقال أبو سعيد بن يونس (5) : كان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهد فتح
مصر واختط بها وكان من شيعة معاوية .
والصحابي بُسر بن أرطاة يتفق عليه المؤرخون والمحدثون على أنَّه كان رجل سوء وقد ارتكب الجرائم العظام وسفك الدماء وهتك الأعراض وفعل القبائح ولم يختلف في مسيرته عن الحجاج بن يوسف الثقفي فهما من صنيعة ورجال الدولة الأموية ، وقد قال عباس الدوري سمعت يحيى بن معين يقول(1) : كان بسر بن أبي أرطاة رجل سوء .
وذكر الذهبي(2) : ولي الحجاز واليمن، لمعاوية، ففعل قبائح .... وقد سبى مسلمات باليمن، فأقمن للبيع . وقال ابن إسحاق : قتل قثم وعبد الرحمن ابني عبيد الله بن العباس صغيرين باليمن ، فتولهت أمهما عليهما. وقيل: قتل جماعة من أصحاب علي، وهدم بيوتهم بالمدينة .
وقال أبو سعيد بن يونس (3) : بسر بن أبي أرطاة شهد فتح مصر، واختط بها، وكان من شيعة معاوية بن أبي سفيان، وشهد مع معاوية صفين، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز، في أول سنة أربعين، وأمره أن يتقرى مَنْ كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة .
وقال البخاري في التاريخ الصغير(4) : عن ابن إسحاق، قال: بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة سنة تسع وثلاثين، فقدم المدينة فبايع، ثم انطلق إلى مكة واليمن. فقتل عبد الرحمان وقثم ابني عبيد الله بن عباس .
وقال أبو عُمَر : كان يحيى بن معين يقول في بُسر(1) : [هو رجل سوء وذلك لما ركبه في الإسلام من الأمور العظام منها ما نقله أهل الأخبار وأهل الحديث أيضا من ذبحه عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهما صغيران بين يدي أمهما وكان معاوية سيَّره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة علي ويأخذ البيعة له ، فسار إلى المدينة ففعل بها أفعالا شنيعة وسار إلى اليمن وكان الأمير على اليمن عبيد الله بن العباس عاملا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فهرب عبيد الله فنزلها بُسر ففعل فيها هذا ، وقيل انه قتلهما بالمدينة والأول أكثر ...  ذكر هذا ابن الأنباري والمبرد والطبري وابن الكلبي وغيرهم ودخل المدينة فهرب منه كثير من أهلها منهم جابر بن عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما وقتل فيها كثيرا وأغار على همدان باليمن وسبى نساءهم فَكُنَّ أول مسلمات سبين في الإسلام ، وهدم بالمدينة دورا وقد ذكرت الحادثة في التواريخ فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها ].
وعن الشعبي(2) : [ أن معاوية بن أبي سفيان، أرسل بسر بن أبي أرطاة القرشي ثم العامري، في جيش من الشام. فسار حتى قدم المدينة. وعليها يومئذ أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب النبي (صلى الله عليه وآله)، فهرب منه أبو أيوب إلى علي بالكوفة، فصعد بسر منبر المدينة. ولم يقاتله بها أحد، فجعل ينادي: يا دينار، يا رزيق، يا نجار، شيخ سمح عهدته ها هنا بالأمس، يعني عثمان رضي الله عنه، وجعل يقول: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلي أمير المؤمنين ما تركت بها محتلما إلا قتله، وبايع أهل المدينة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة، فقال : لا والله مالكم عندي من أمان ولا مبايعة، حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، صاحب النبي (صلى الله عليه وآله)، فخرج جابر بن عبد الله، حتى دخل على أم سلمة خفيا، فقال لها: يا أمه، إني قد خشيت على ديني، وهذه بيعة ضلالة، فقالت له: أرى أن تبايع. فقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع. فخرج جابر بن عبد الله، فبايع بسر بن أبي أرطاة لمعاوية، وهدم بُسر دورا كثيرة بالمدينة، ثم خرج حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى الأشعري، وهو يومئذ بمكة، فتنحى عنه. فبلغ ذلك بسرا فقال: ما كنت لأوذي أبا موسى، ما أعرفني بحقه وفضله. ثم مضى إلى اليمن. وعليها يومئذ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عاملا لعلي بن أبي طالب، فلما بلغ عبيد الله أن بسرا قد توجه إليه هرب إلى علي، واستخلف عبد الله بن عبد المدان المرادي. وكانت عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان قد ولدت من عبيد الله غلامين من أحسن صبيان الناس أوضئه وأنظفه، فذبحهما ذبحا].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
♦ بإمكانكم مراجعة الكتاب للإطلاع على الهوامش والتعليقات ومصادر الروايات .

no image

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك