10‏/8‏/2021

إدارة الموقع

هل الولاء والبراء من المسائل الفقهية أو العقدية؟

ورد سؤال من احد الافاضل من اساتذة جامعة الكوفة لسماحة السيد المقدس الغريفي دام ظله مفاده :

لدي بعض الاسئلة ارجو من جنابكم الكريم ان تتفضلوا بالاجابة عليها 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

بعد الاطلاع على كتابكم ( حكم النواصب في الفقه الاسلامي) وقراءته احببت ان اعرض عليكم بعض الاستفسارات

فعندما تساق فروع الدين لدى الفرقة المحقة الشيعة الامامية ايدهم الله تعالى يذكر ان الموالاة لال محمد صلوات الله عليهم اجمعين والبراءة من اعدائم  الفرع التاسع والعاشر اذ انهما من فروع الدين وقد بينتم في كتابكم من خلال الروايات التي ذكرتموها بان النصب لهم كفر وباتفاق المسلمين واما الاختلاف فهو في بعض المصاديق  فياهل ترى اذا النصب يحكم صاحبه بالكفر ..... فلماذا صارت الموالاة  مسالة فقهية ولم تكن مسالة عقائدية ؟ اذ ان النصب هو عدم الولاء  علما ان الروايات تؤيد هذا المعنى  فضلا عن القران الكريم اذ ان الاية لماتقول (المؤمنون بعضهم اولياء  بعض) ذكر الاعلام ان الذي لم يوال اخاه المؤمن يحكم بالفسق  ولكن الذي لا يوالي ال محمد صلوات الله عليهم يحكم بالكفر مفادا للآية الكريمة (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى ) وهكذا الامر  في البراءة من اعدائهم ..... فهل البراءة من اعدائهم واجب فقهي ام انه امر عقدي ؟

 وان تفضلتم  وقلتم بان بعض المسائل الفقهية انكارها كفر كانكار الصلاة  .. فقد يقال بان الانكار هو انكار لامر تشريعي يختلف عن الموالاة والبراءة  ....

     ارجو بيان ذلك  بشكل مفصل مؤيدا بالادلة ولكم مني وافر التقدير.

.....

الجواب.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

باسمه تعالى. 

من المعلوم والمتفق عليه لدى الشيعة الإمامية أن الولاء والبراء من فروع الدّين.

و بطبيعة الحال أن هذا الفرع مما يقتضي العمل الموجب للولاء من الحب والطاعة والنصرة لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين واجتناب أعدائهم ومناوئيهم والبراءة منهم. 

ولحاظ جهة العمل في الولاء والبراء مما يقتضي فيه رعاية أحكام أفعال المكلفين؛ ولذا كان لابد من ادراجه ضمن فروع الدين المطلوبة عملياً من المكلفين لتحقيق الإمتثال واجتناب العصيان.

ولا يصح التصور بأن فرع الولاء والبراء ينحصر بمحض الإيمان الذي يُراد منه الأصل العقدي وإن كان الإيمان جذره وأصله كما هو شأن باقي العبادات التي لا تخرج واقعا عن دائرة الإيمان والا فالفعل العبادي وحده من دون إيمان بمطلوبيتها وقربيتها إلى الله تعالى لا يجزي ولا يحصل به الامتثال ويكون عبثياً، وبالتالي فالولاء والبراء لا يظهر ولا يتجلّى إلا عملياً باتخاذ إجراءات واعتماد خطوات وسلوك طريق محدود قد اهتم الشارع المقدس ببيانه والإرشاد إليه باعتباره مفتاح الأعمال كما في النصوص الروائية الثابتة. 

ومن هنا يتضح أنّ ملاك العمل فيه أكثر ظهوراً وأشد تأثيراً لعظيم الولاء للعترة الطاهرة ولشدة الخطورة في الحكم عند وقوع النصب لهم لاجماع الأمة بكافة مذاهبها ومدارسها على كفر النواصب تبعاً للأدلة المتفق عليها. 

ثُمّ إنّ تكفير الناصب وإن كان مرده إلى جحوده وانكاره لضروري من ضروريات الدّين وهو الولاء والبراء الذي يلزم منه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه لا يُقاس بولاية الناس بعضهم لبعض لوجود الفارق الكبير بين أهل البيت عليهم السلام وباقي الناس حيث يجب الحب والطاعة والنصرة لهم بنحو مطلق بخلاف الموالاة بين المؤمنين والمؤمنات لوقوعهم في الخطأ والمعصية والشبهة والوهم وما إلى ذلك؛ ولذا لا تجب موالاة بعضهم بعضاً بنحو ما يجب للعترة الطاهرة إلا فيما يُحْرَز ظاهراً أنه مشروع وطاعة، ويبقى الواقع فيه علمه عند الله تعالى ؛ وعليه يُحكم على المخالف فيه بالفسق، بخلاف الولاء للعترة الطاهرة والبراءة من أعدائهم حيث الواقع فيهم مُحْرَز لابد من متابعته بنحو مطلق؛ ولذا جعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أجر رسالته مودة ذوي القربى كما في قوله تعالى :( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ) الشورى / ٢٣. وهذه المودة واجبة على كل مسلم ولا يكفي فيها الحب الباطني بل المودة تعني إبداء وإظهار الحب لهم ، كما أن الحب لا ينحصر بالبُعْد العاطفي بل هو الطاعة والمتابعة كما في قوله تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران / ٣١.

فاللوازم التي تتبع ولاء العترة الطاهرة ضرورية بنحو مطلق بخلاف لوازم ولاء المؤمنين بعضهم لبعض حيث لا تكون كذلك بل ولا تقاس بها.

و يتضح مما ذكرنا أن إدراج الروايات للولاء والبراء أو الولاية في سياق الحديث عن فروع الدين كالصلاة والصوم إنما هو لبيان شدة المطلوب العملي فيها بلحاظ وجوب طاعة الولي ومتابعته باعتباره مفتاح الأخذ عنه في معرفة معالم الدين والفرائض؛ ولذا صرحت الروايات بأنّ الولاية مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن كما في أصول الكافي للمحدث الكليني ج٢ ص١٨ / باب دعائم الإسلام / حديث ٥. وهي صحيحة زرارة عن أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الصَّوْمِ وَ الْوَلَايَةِ، قَالَ زُرَارَةُ : فَقُلْتُ : وَ أَيُّ شَيْ‌ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ : الْوَلَايَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ وَ الْوَالِي هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ.

وأيضاً في الحديث / ٣ / من نفس الباب، ما رواه فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْوَلَايَةِ وَ لَمْ يُنَادَ بِشَيْ‌ءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ فَأَخَذَ النَّاسُ بِأَرْبَعٍ وَ تَرَكُوا هَذِهِ يَعْنِي الْوَلَايَةَ.

وبما أنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام ومودتهم من ضروريات الدين المتفق عليها بين المسلمين فيكون إنكار ذلك مما يوجب الكفر، كما أن ما يؤكد وجوب طاعة الولي والأخذ عنه هو قوله تعالى : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ )  النساء / ٥٩. 

وقد ورد أيضاً في وجوب الأخذ عن العترة الطاهرة بلحاظ كونهم أرباب الولاية كما في الحديث المتواتر المتفق عليه بين المسلمين قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي). 

إذن المدار في ذلك كلّه هو الأخذ والمتابعة والطاعة بمعنى إرادة العمل لتكون الولاية من فروع الدين والتي هي فرع عن الإمامة التي هي من أصول الدين، وفرق بين الإمامة التي هي أصل عقدي وبين الولاية التي مقتضاها العمل وبما تعني الحب والطاعة والنصرة والعمل المطابق لما ورد عن الولي بلحاظ كونه باب مدينة العلم والمعارف ومفتاحاً للفرائض والسنن باعتباره المُبَيِّن الواقعي لها ، فتأمل. 

وبالتالي لا فرق في كفر مَنْ أنكر الأصل أو أنكر الفرع الثابت بالضرورة، بل إن المخالفة والعصيان في قضية الولاء من غير جحود وانكار  مما يؤدي إلى الكفر أيضاً ؛ لأنّ الولاء له حيثيتان الأولى منها إيمانية قلبية والثانية عملية ، وبطبيعة الحال فإنّ فقدان حيثية الإيمان وهو الحُب في أقل مراتبه وبعيداً عن لوازمه العملية والذي يُمَثّل الميول العاطفية يؤدي إلى الكفر كالذي يقول لا أحب الله تعالى أو لا أحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علماً إنّ حب العترة مقرون بهما في نصوص مستفيضة إنْ لم تكن متواترة لدى المسلمين، في حين أنّ المخالفة العملية بارتكاب المعاصي مع الإقرار بالولاء كما هو حال الكثير ممن يحبون العترة ويتوددون لهم فهذا يؤدي بهم إلى الفسق، وفرق بين الحيثيتين في الحكم.

ثمّ إنّنا لا نقصد بالحيثية الإيمانية المعنى العام كما يتصور بعضهم كالايمان بالله تعالى والإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يُستشكل بأنه شيء مطلوب في الأصول والفروع ؛ لأن مع عدم الإيمان بالله وسوله لا حاجة حينئذ للبحث في الموضوع أصلا لكون القضية تكون سالبة بانتفاء الموضوع، ولكنّ المقصود هو الإيمان الخاص بذات الولاية باعتبار ثبوت صدورها وضرورة الاعتقاد بها كحيثية إيمانية مطلوبة وهكذا الحال في الصلاة والصوم والحج إلا أنه كل شيء بحسبه ورتبته وشدة مطلوبيته حيث أن الولاية هي أعظم من غيرها وأشد مطلوبية واسبق رتبة وكونها شرطاً في قبول الأعمال؛ لأنها على حد تعبير الروايات مفتاحهن، وبالتالي فالحيثية الإيمانية في الصلاة والصوم إذا أنكر المكلف أو جحد مطلوبيتها فيؤدي به إلى الكفر وإن لم ينكر ذلك إلا أنه كان عاصيا ولم يمتثل فإنه يفسق وهذا واضح.

وأما الولاية فإن أنكر المسلم مطلوبيتها فيؤدي به إلى الكفر أيضاً؛ لأنه إنكار للضروري وهو واضح، ومن الوضوح بمكان فيما لو أقر بالولاية إلا أنه سلوكيا لم يكن مطيعا لأوامر الولي فحينئذ يكون عاصياً ويؤدي به إلى الفسق، وهذا لا يحتاج إلى مزيد عناية وتكلف في بيان ذلك. 

ولكن الإشكال لو لم ينكر الولاية ويُقر بثبوتها إلا أنه لا يحب الولي، والحب في حد ذاته جانب قلبي إيماني، فماذا يمكن القول بشأنه، فهل هو فاسق أو كافر؟.

حتما أنه أزال من قلبه تلك العقيدة الإيمانية فيكون حينئذ فاقداً لها ، وهذا ما يؤدي به إلى الكفر. 

وعليه لابد من مراعاة هذا التفصيل في المقام لمعرفة الحكم وقد بيّنا ذلك في معرض الجواب، وفيه من الوضوح ما يكفي بأدنى تأمل.


أبو الحسن حميد المُقَدَّس الغريفي

          النجف الأشرف

٢٧ / من ذي الحجة الحرام / ١٤٤٢ هجرية

no image

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك