8‏/5‏/2026

ابو زينب

حكم تسمية الإسلام بـ "الإسلام السياسي" وإدخال السياسة في الدين

الموضوع: حكم تسمية الإسلام بـ "الإسلام السياسي" وإدخال السياسة في الدين


إلى / سماحة آية الله الفقيه السيد أبو الحسن المقدس الغريفي (أعلى الله مقامكم الشريف، وأدام ظلكم الوارف):

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،

يُلاحظ في السنوات الأخيرة تكرار تعبير "الإسلام السياسي" على ألسنة كثير من الناس، بل ومن بعض المنتسبين إلى حوزات العلم والفضل، ويُراد بهذا التعبير الإسلام في شموليته باعتباره عقيدة وشريعة تستوعب شؤون الدنيا والآخرة، ولا تفصل بين الدين والدولة أو الروح والمادة.

ونحن إذ نرجو من سماحتكم بيان الحكم الشرعي الواضح في هذه المسألة، فإننا نتساءل:

1. هل تسمية الإسلام بـ "الإسلام السياسي" تسمية مرفوضة في الشريعة المقدسة؟
2. وهل إدخال السياسة في الإسلام (بمعنى إدارة شؤون المجتمع والحكم والولاية) أمر محرَّم وبدعي، أم هو من صميم الإسلام الثابت في الكتاب والسنّة وسيرة النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة والسلام)؟

وفقكم الله لكل خير، وجعلكم ذخراً للإسلام والمسلمين.


خادمكم: إيهاب الغريفي / كربلاء المقدسة

الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله الطيبين الطاهرين. 
وبعد:
يكثر في الآونة الأخيرة استعمال مصطلح الإسلام السياسي، وكان أول ظهوره في الدراسات الغربية الحديثة والإعلام الغربي، ثم انتقل إلى الخطاب العربي ودوائره الحكومية والأمنية تمييزاً له عن الإسلام ذي البُعد الديني العقدي والتشريعي ( العبادي) بحسب زعمهم وهو الذي لا يتصدى لإقامة دولة أو تطبيق الشريعة الكاملة عبر السلطة.
ومصطلح الإسلام السياسي يُراد منه بيان أن الإسلام ينقسم إلى ( ديني) و (سياسي)، أو في إشارة إلى فصل الدين عن السياسة وأنهما لا يلتقيان في الطريق إلى الله تعالى؛ لأنّ الدين علاقة خالصة بين الإنسان وربه، في حين السياسة عمل دنيوي تستغلها جماعة من المسلمين للوصول إلى السلطة وإقامة دولة وفق رؤى ومصالح خاصة تقودها أحزاب وتيارات وحركات ومنظمات ظاهرها الإسلام إلا إنها مؤدلجة في تطبيقاتها وفق إطار ضيق ومُسَيّسة تبعاً لمصالحهم.
وبالتالي فإنّ هذا المصطلح قد يُتداول على الساحة الحركية في مسيرة الأحزاب المتأسلمة إلا إنه لا يمت بأي صلة بالواقع الإسلامي الذي له رؤية شمولية للحياة في أبعادها المختلفة كالبُعد العقدي والتشريعي الشامل لعموم مفردات الحياة بما يستوعب العبادات والمعاملات وتفاصيل الحياة الخاصة والعامة بما فيها السياسة والجهاد والإعلام وتنظيم العلاقات والعهود والمواثيق واعتماد الأحوال الشخصية الشرعية، والإهتمام بالشأن العام ومتابعته وفق إدارة مشروعة حاكمة وقضاء وتنفيذ الحدود والتعزيرات والقصاص لتحقيق العدالة ومنع الظلم وحفظ الأمن والنظام، والقيام بتدبير شؤون الناس ورعاية حقوقهم ومصالحهم وما إلى ذلك مما يمس واقع الإنسان كفرد وأسرة ومجتمع وشعب.
إذن الإسلام لا ينحصر بالبُعد السياسي بل هو نظام متكامل وشامل للحياة، والسياسة جزء من منظومته الواسعة المنسجمة مع الطبيعة الحركية للإنسان، وكما نؤكد دائماً بضرورة ملاحظة الفرق بين سياسة الدين وتسييس الدين، ولابد من الفصل بينهما، إذ نطالب الشعوب بالالتزام بسياسة الدين ورفض تسييس الدين؛ لأنّ التسييس تحايل على الدين وأسلوب يستأكلون به بالباطل بما يعكس صورة سلبية ومشوهة عن الدين ورموزه العاملين، في حين السياسة ضرورة حياتية وشرعية وأخلاقية لإتخاذ الخطوات والمواقف التي تُقرها الشريعة في معالجة الوقائع والأزمات وتسيير أمور الحياة ومتطلباتها بما يجلب المصالح المشروعة ويدرأ المظالم والمفاسد، وليس كما يفعل المدنيون من الملاحدة والعلمانيين والليبراليين وأمثالهم الذين يفصلون الدين عن السياسة ليرتكبوا القبائح والموبقات والمحرمات لتحصيل مكاسب على حساب حقوق الآخرين ظلماً وعدوانا وفق أخلاقيات السياسة الشيطانية بذريعة أنّ السياسة هي فن الممكن، وأنّ الغاية تُبَرّر الوسيلة، وأنّ المشروعية لمنطق القوة والغَلَبَة والحيلة، وبذلك تنسلخ سياستهم عن كل الضوابط والموازين الشرعية والأخلاقيات الإنسانية الفطرية الأصيلة. 
وعليه فإنّ للفقيه الجامع للشرائط والمتمتع بمزايا قيادية وإدارية وشجاعة واطلاع على أحوال وظروف عصره مع قدرته الفائقة على تدبير شؤون الأمة ورعاية مصالحها وحفظ نظامها أن يقيم دولة يُطبَّق فيها النظام الإسلامي العادل والشامل لتفاصيل الحياة بإدارة عصرية ناهضة وأدوات علمية باهرة ووسائل ذات بُعُد حضاري متقدم ونظرة آفاقية مزدهرة، ويكون حاذقاً وفطناً وحكيماً وحذراً من أن يُستَغَل الفقيه القائد من قبل النفعيين والوصوليين والمنافقين وأعداء الإسلام والمسلمين لإقامة دولتهم التي يُستضعف فيها المسلمون في أنفسهم ودينهم وشعائرهم وأحوالهم الشخصية ومعاملاتهم الشرعية وحقوقهم ومصالحهم.
وفي الختام فالإسلام دين ودولة، ونظام حياة متكامل يتصف بالشمولية لتكون السياسة جزءاً من منظومته العامة، ومعه لا يصح تعريف الإسلام بالسياسي واختزاله بجزء منه وهو البُعد السياسي أو العبادي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الجهادي أو .... ، لتعريف الكل بالجزء إلا إذا أُريد الإساءة إليه والقدح فيه وتحجيم دوره، وهو ما ابتدعه الأعداء؛ بل لابد من تعريف الإسلام بما يساويه وفق رؤية عامة يُراد منها حاكميته وشموليته لتفاصيل الحياة في أبعادها المختلفة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والشعب بما يبعث على الحرية والعدالة والسيادة والاستقلال والتكامل في الأدوار وبناء الإنسان بما يُمثل الإسلام الأصيل. 

أبو الحسن حميد المُقَدَّس الغريفي
النجف الأشرف
٢٠ / ذو القعدة / ١٤٤٧ هجريّة. 
٨ / ٥ / ٢٠٢٦ ميلادية.

حكم تسمية الإسلام بـ "الإسلام السياسي" وإدخال السياسة في الدين

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك