27‏/9‏/2017

أبو جعفر الموسوي

الانتخابات النيابية في العراق لعام 2014م - أكثرية سُكّانية ولكنها أقلية نيابية


فيما أفاده سماحة آية الله المُقدَّس الغريفي (دام ظله) حول انتخابات 2014م :

أكثرية سُكّانية ولكنها أقلية نيابية


يكشف الواقع وبوسائل مختلفة أنَّ الشيعة في العراق يُمثلون أكثرية سكانية إلا أنَّهم وللأسف الشديد يُمارسون داخل قبة المجلس النيابي دور الأقلية النيابية بالرغم من التفوق العددي للنواب الشيعة داخل هذا المجلس ، وهذه المعادلة المذكورة ليست من السفسطة الفلسفية وإنَّما هو واقع فرضه علينا الانقسام الحاد بين الأحزاب الاسلامية وتفرقهم واختلافهم في الرؤى والمواقف حول قضايا ينبغي أن لا ينقسم حولها الوطنيون ، ولذا لم يستفيدوا من غلبة عددهم لإقرار ما فيه مصلحة الشعب من حقوق وتشريعات وقوانين وموازنة وتأدية الدور الرقابي وما إلى ذلك نتيجة أطماعهم ونزاعهم وصراعهم على المناصب والأموال والامتيازات والمخصصات وغيرها فيقودهمالهوى والحسد والحقد والمصالحالخاصة والتكالب على الدنيا وما فيها حيث يطمع كلٌ منهم إلى توسيع قنوات عمله المعتمدة على الفساد الاداري والمالي والأمني والعسكري والاجتماعي حتى اجتهدوا في سباق متبادل إلى ابتداع سُبُل مبتكرة في استعمال سياسة التفسيق والتشهير لتسقيط خصومهم ومصادرة حقوقهم والعمل على إزاحتهم من مراكزهم والقيام بتغليف وسائلهم بغطاء وهمي مبني على الكذب والدجل لخداع وتضليل الشعب وتخديره بالوعود والتسويف والمماطلة وإشغاله بنفسه في خضم معاناة قاسية في مختلف مرافق الحياة من أجل اضعافه والتسلط عليه ونهب خيراته وزجِّه في صراعات طائفية وحزبية واجتماعية في الوقت الذي تقوم فيه الأحزاب بمواقف ازدواجية وتؤسِّس لتحالفات الأضداد مما ولَّدت جميعها الفتن والمشاكل وحدوث أزمة ثقة وأزمة تدين وأزمة أخلاقية حتى سالت لأجلها الدماء وزرعت روح الكراهية والحقد داخل أبناء المذهب الواحد والطائفة الواحدة والقومية الواحدة حتى صار يلعن بعضهم بعضا ويتفل بعضهم في وجوه بعض ويقتل بعضهم بعضا ليسود بذلك هذا الحزب أو ذاك وينال مبتغاه بقوة الترغيب أو الترهيب أو الحيلة ويزعم أرباب الحزب ودعاته أنَّهم ما يريدون من ذلك إلا تحقيق المصالح العليا للشعب ، وهذا السلوك المنحرف مما أخبر به أهل البيت عليهم السلام وأنَّه من علامات الظهور بالرغم من كون هذه الأحزاب مُتَلَبِّسَة بالعناوين الاسلامية ومتقمصة بغطاء المرجعية زورا وبهتانا ليستفيدوا منها في تحقيق أهدافهم الدنيوية كما ويرفعون لذلك صور المرجعيات الدينية ويحملون الشعارات البرَّاقة ويعطون الوعود الزائفة كسلعة مبتذلة رخيصة متكررة منذ الانتخابات الأولى عام 2005م تحت قائمة (169) شعار الشمعة التي أحرقت الأخضر واليابس وكذا الانتخابات الأخرى تحت قائمة (555) وغيرها حتى انتخابات 2010 م التي زعموا كذبا وزورا كسابقتها أنَّها تُمثل المذهب ولابد من دعم المذهب تحت أي ظرف ليستفيد من هذه المزاعم كلّها تلك الأحزاب بعدما ضلّلوا الشعب بأكاذيب وأوهام ومخاطر قد أسَّسوا لها ومهدوا لترويجها وتغذيتها ومساندة أربابها تحت عنوان المصالحة والشراكة والمحاصصة من أجل استقطاب الجماهير نحو انتخابهم ولكن في الوقت نفسه يكون قد اتسع الخرق الأمني والفساد الاداري والمالي داخل المجلس النيابي والحكومة الاتحادية والمحلية ، وقد جرت هذه السيرة إلى يومنا هذا وجرَّبها الشعب مراراً وتكراراً بعدما كُنَّا نعلم من أول الأمر وحين دخول هذه الأحزاب إلى البلد من خارج العراق بأنَّهم لا يطرحون على الساحة مشروعاً اسلاميا ولا يحملون هموم الشعب ولا يملكون الخبرة السياسية ولا يؤمنون بقيادة المرجعية ولا يسترشدون برأيها بل يستعملوها كمعبر وغطاء لتمرير مصالحهم وتحقيق أهدافهم لأنَّهم يُفكرون ويسعون جاهدين لاستلام السلطة وحيازة المال وتقوية أحزابهم وكسب الجماهير عبر التنظيمات الحزبية المبنية على المصالح والأوهام فأوقعوا الشيعة وعموم الشعب والبلد في مخاطر ومزالق عظيمة جداً وضَيَّعوا فرص العمل الإسلامي الصادق الذي يدعوا إلى الله تعالى ويأمر بالعدل والإحسان وتحقيق الأمن والأمان والعيش بكرامة وتطور وعمران ، ومع هذا فإنَّ المرجعية الدينية في النجف الأشرف قامت بوظيفتها الرسالية من أجل جمع هذه الأحزاب في إطار تحالف ليحفظ الهوية ويؤسس لتماسك البيت الشيعي من أجل مصلحة الشعب عموماً وكانت ترى بضرورة دفع الأفسد بالفاسد والتعامل مع أهون الشرَّين ولكنَّ الأحزاب مع ذلك لم تُراعي أحدا بل أخذ حالها بالتزايد من جهة الظلم والفساد وتمزيق النسيج الاجتماعي إلى درجة أن سقطت معها نظرية التزاحم بين الفاسد والأفسد لتساوي الحال بينهم مما دفع المرجعية وبعد أكثر من عشر سنين إلى اتخاذ قرار النأي بالنفس صراحة وأنَّها لا تدعم أيّ قائمة مطلقا وقد أرجعت الأمر إلى الشعب في اختيار المرشح الكفء والنزيه والصادق والذي يخدم الشعب ويحفظ وحدة البلد ، ولمَّا لم تتخذ المرجعية في بادئ الأمر وإلى يومنا هذا دوراً مباشرا في إدارة شؤون البلاد والعباد عن طريق القيام بتقديم مرشحين من عندهم أكفاء وأمناء وأقوياء على مستوى العراق يحرصون على البلد ويُخلصون للشعب ويسترشدون برأي المرجعية ولا علاقة لهم بالانتماءات الحزبية والتوجهات الضيِّقة ليكون حلا ناجعاً لتفادي الكثير من المخاطر وإنقاذ الشعب من الوقوع في المزالق بدلاً من أن يعيش الشعب في تيه وضياع وفوضى ليقع فريسة كذب الأحزاب والتغرير بهم وإيقاعهم في فخاخهم ولكن المرجعية لم تُقْدِم على هذا العمل الميداني لأسباب تخصها ، ولذا اتخذت اليوم قراراً بعد يأسها من ضمان التزام هذه القوائم الحزبية بمراعاة مصالح الشعب أن تنأى بنفسها عن دعمها ولأنَّ المجرب لا يُجرب ثانية وثالثة وو .. على مستوى نواب المجلس النيابي والحكومة الاتحادية والمحلية نتيجة مخالفتها المتكررة لرأي المرجعية ولعدم مراعاتها مصالح الشعب ولشيوع الفساد المستشري بينها الذي فاق حدَّ التصور ، لذا أوكلت أمر اختيار المرشحين إلى الشعب ليتحمل مسؤوليته في اختيار من يُمثله ، ولأنَّ اختيار المرشح من الموضوعات الخارجية التي هي في الأساس من وظيفة المكلف والخاضع اختياره لعلمه ودرايته بالمرشحين فيُفترض به أن يُحسن الاختيار بعد أن يتفحص عن المرشح المستقل ممن تتوفر فيه الأهلية بعيداً عن الكتل الحزبية المؤثرة سلباً على مسيرة المرشح ، وفي خضم الانقسامات الحادة اليوم والتناقضات الفاضحة والفساد المستشري بين احزاب الحكومة وبُعدهم واقعا عن مصالح الشعب فسوف يكون دعم المرجعية لأيِّ قائمة منها إنَّما هو من تحصيل الحاصل بعد انقسام الشعب أيضاً على نفسه تبعاً لانتماءاته الحزبية والعشائرية والعقدية وغيرها ولذا لا يؤثر في هؤلاء إلا انتماءهم ومصالحهم وبالتالي لا تُضيف المرجعية لهم شيئاً لأنَّ اتباع الحزب سوف ينتخب حزبه ، والعشيرة ستختار ابنها وحليفها ، والمخالف لهذا الحزب المدعوم لا ينتخب ما أوصت به المرجعية ما دام مخالفاً لانتمائه فيكون الدعم من تحصيل الحاصل وهذا أمر واقع .

وينبغي العلم أنَّ الكثير من الناس قد كفروا بالأحزاب بعد ثبوت فسادهم وفشلهم وبعدهم عن الواقع الاسلامي ولذا كان لابد للمرجعية من النأي بنفسها عن الاصطفاف مع أيٍّ منها لكي لا تُختطف وبالتالي يكفر الناس بها ، أضف إلى ذلك أنَّ الفساد العام في البلد ومصادرة الأحزاب الحاكمة لحقوق خصومهم والضغط على حرياتهم تحت عناوين دينية مزيفة أو ادّعاء رعاية المصلحة العامة أو التذرع بدرء الفتنة وما إلى ذلك عَكَسَ صورة مشوهة عن الدِّين أو المذهب مما ولّد ارتدادات وردود أفعال سيئة استفاد منها الارهابيون والطائفيون وقوى الاستكبار ليكسبوا المتضررين وضعاف النفوس إلى صفوفهم بشراء ذممهم وسلخهم عن دينهم أو مذهبهم.

ومن الغريب العجيب والمضحك المبكي أنَّ جميع الأحزاب المشاركة في الحكم والمستفيدة من المحاصصة والمشمولة بالفساد الاداري والمالي والأمني والاجتماعي يُريدون أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه فيُنادون أيضاً بالتغيير وهم جزء من المشكلة ليتملصوا من واقعهم السيئ المفضوح ويُمارسوا التضليل مرةً بعد أخرى بلا وازع ديني أو أخلاقي أو وطني بادّعائهم أنَّهم أهل نزاهة وأمانة وكفاءة وحرص على الشعب وينتقدوا الآخرين ويُشَهِّروا بهم ليتسلقوا في انتخابات 2014م إلى الحكم في حين أنَّهم على مستوى واحد مع أقرانهم الفاسدين من الأحزاب الأخرى الحاكمة إن لم يكونوا أسوء منها ، وقد جربهم الشعب جميعا على مستوى المجلس النيابي والحكومة الاتحادية والمحلية ، ومن جرَّبَ المُجَرَّب الفاسد فقد حلَّت به الندامة .

والأمانة العلمية والوطنية تقتضي الكشف والبيان بأنَّ الأحزاب السياسية لا تُمثل المذاهب والطوائف بل تُمثل نفسها ومع ذلك فإنَّ أنانيتها ومصلحتها الضيِِّقة تجعلها عند الحاجة تتمترس وتحتمي بطوائفها فتجلب لها الشرّ والفتنة ، في حين أنّنا نؤمن بأنَّ الأحزاب لا تحمي الطائفة أو المذهب الذي تنتمي إليه لأنَّ الحامي والحافظ والناصر هو الله تعالى الذي حفظ الشيعة والتشيع تحت راية المعصوم عبر هذه القرون من الزمان رغم حملات الضغط والتهجير والمطاردة والتصفية والإبادة التي جرت بحقهم منذ عصر الدولة الأموية وإلى يومنا هذا ، فلا يُعوِّل المذهب على الجهات الحزبية المطلوبة للشعب والعدالة لأنَّ الأحزاب تزول ويبقى المذهب ، علماً أنَّ مصدر القوة بعد الله والمعصوم هو الشعب الممتثل للإرادة الحقَّة والعادلة .

ومع ذلك كلِّه فإنَّ فشل الأحزاب الإسلامية لا يعني فشل المشروع الإسلامي لأنَّه منذ سقوط الطاغية المقبور وإلى يومنا هذا لم يُطرح على الساحة العراقية أي مشروع إسلامي كما أنَّهم لم يستجبيوا لنداءات المرجعية في معالجة قضايا الشعب وإصلاح الوضع العام للبلاد والعباد ، ولذا ينبغي أن لا نصنع من هذه الأحزاب الفاسدة والضالّة إخطبوطا يأكل الحرث والنسل ويزوِّر لنا الهوية ويتلاعب بمقدراتنا ونحن نتلقى ذلك بالصمت أو القبول تحت ذريعة أنَّهم شيعة !!! وعلينا الصبر عن مفاسدهم ومظالمهم ودجلهم لأننا نخاف من عودة البعث الكافر وحاكمية أبناء السُنَّة من جديد ، وإلى متى نبقى نُصدِّق ونعيش شبح هذه المزاعم الحزبية بعد ثبوت قيام هذه الأحزاب نفسها بمنح تزكيات لكثير من كبار قيادات البعث وصيرورتهم أعضاءً في أحزابهم وتكليفهم بمهام قيادية داخل الدولة على المستوى التشريعي والتنفيذي ؟!!!.

وعليه لابد من التغيير لواقع حياتنا اليوم في مختلف المجالات وليس على الصعيد الحكومي فقط لأنَّ الحكومة هي نتاج اختيار الشعب والعناصر المؤثرة فيه ولذا يقع الشعب ومنذ أكثر من عشر سنين بنفس الخطأ ولنفس الأسباب ومع ذلك فلا أتصور حصول التغيير لمجرد تغيير الوجوه والعناوين والشعارات والبرامج الكاذبة كما يحصل الآن لأنَّ القوائم الحاكمة والمشاركة في الفساد والظلم والمرفوضة قد فرَّخت قوائم جديدة وبأسماء مختلفة ووجوه مُقَنَّعة والناس مع كثرة هذه القوائم الفرعية أصبحت في حيرة من أمرها وصاروا سكارى وما هم بسكارى ورجعوا إلى نقطة الصفر في سؤالهم مَن سننتخب ؟!!! ، فتكون الدعوة إلى التغيير من دون تأسيس وتعيين قائمة مؤهلة ومضمونة غير كافية كما أنَّ تعيين قائمة قد جرَّب الشعب فسادها وظلمها تعني الوقوع بنفس الخطأ والمصير ، ولمَّا لم تؤسَّس تلك القائمة ولم يصح الوقوع بنفس الخطأ تعيَّن على الشعب أن يتحمل مسؤوليته الشرعية والوطنية في اختيار مرشحه فكان لابد أن يُحسن الاختيار فلا يُسلّط على رقاب الشعب مَن هو فاسد وظالم وفاشل وهذا يستدعي من الناخب البحث والتفحص عن المستقل الصالح الذي يتصف بالنزاهة والأمانة والقوة والعدالة والكفاءة والوطنية ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي الشعب العراقي بجميع مكوناته وطوائفه ومذاهبه وقومياته لما فيه الخير والصلاح باختيار مَن يُمثلهم من الوطنيين المخلصين بعيداً عن أيتام البعث والتكفيريين والعنصريين والمتحزبين لأنَّ بياننا لا ينحصر خطابه على فئة دون فئة بل يعم الجميع حيث البلاء قد وقع على عموم الشعب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


ابو الحسن 
حميد المقدس الغريفي
النجف الأشرف
17 / ج2 / 1435 هـ

الانتخابات النيابية في العراق لعام 2014م - أكثرية سُكّانية ولكنها أقلية نيابية

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك