26‏/9‏/2017

أبو جعفر الموسوي

الرِســالة الحُســـــــَينِّيَة



الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبِّينا محمَّدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين .
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحُسين وعلى أصحاب الحُسين وعلى أخيه أبي الفضل العباس وعلى أخته زينب الحوراء ورحمة الله وبركاته .
إنَّ الحديث عن رسالة الحُسين (عليه السلام) في كربلاء ينبغي أن لا يُخرجها في مبادئها وأحكامها وتطبيقاتها عن عنوان كونها شعيرة اسلامية لتضمنها أبعاداً وشُعباً متعددة رسمَت للإنسانية بدمها الإسلام الأصيل بتفاصيله ورسَّخت في أذهانهم ضرورة مراعاة حقوق الإنسان وشرَّعت لهم مقاومة الطغاة والمنافقين بآليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وردِّ العدوان بمراتبها المختلفة حتى انتجت تطبيقاتهم الكربلائية تجربة صادقة بعثت برسالة خالدة إلى البشرية جمعاء بما لها من واقعية وإيمان راسخ بالوظيفة الشرعية والمواقف الإنسانية والشعور بالمسؤولية والإقدام على الشهادة والاستبشار بقدرها وما وراءه ، فأثَّرَت هذه التجربة المُدرِكَة لنتيجتها والواعية لمقدماتها والراشدة بصرختها في النفوس وأيقظت الشعوب وأماتت الخوف في قلوب الأحرار واستخفَّت بطغيان المستكبرين الجبابرة ومنحت الإنسانية أساساً شرعياً يُعتمد عليه في مواجهة المخاطر والتحديات والعدوان ، فكانت وما زالت تُمثل بحق القدوة والأسوة في مسيرة الرساليين وأحرار العالم ، ولذا صار الطغاة يرهبون الرسالة الحُسينية والصرخة الكونية لأنها طريق يُزلزل عروشهم ويُقوِّض بُنيانهم ويفضح سيرتهم الضالَّة مما جعلهم يمنعون من ذكرها وتداولها ويسعون بجهد مُكَثَّف لتشويه صورتها ومحاربة سالكيها بمختلف الوسائل إلى درجة أنَّهم منعوا مجرد زيارة مرقد الإمام الحُسين (عليه السلام) تحت ذرائع مُختَلقة وواهية كالشرك والبدعة وإثارة النعرة الطائفية والدعوة للأخذ بالثأر والتجمعات المُريبة والخروج على السلطان ففرضوا على الزائرين لأجل منعهم الضرائب المالية بل قطعوا الأيدي والأرجل بل مارسوا بحقهم الحبس والقتل بأبشع الأساليب حتى وصل الحال بهم في عصرنا الراهن إلى إرسال الانتحاريين بسيارات مُفخخة وأحزمة ناسفة وعبوات لاصقة وصواريخ مُدمِّرة تقتل الجموع البشرية من الرجال والنساء والأطفال ظلماً وعدوانا بدافع الحقد والعصبية والولاء للطاغوت خوفاً من مسيرتهم الرسالية التي تؤمن بمنهج الحُسين (عليه السلام) وتُعلن الولاء له والاقتداء بسيرته والكشف عن مظلوميته ، ولم يأتي تحَمُّل هذا التكليف والشدَّة عن فراغ أوعاطفة مجردة أو تجربة ضيِّقة عابرة بل لكونها رسالة متكاملة ودعوة حقَّة في سبيل الله تعالى وقد أخبر بها الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)باتفاق المسلمين منذ ولادة الحسين (عليه السلام) وجعلها شعيرة وعَمِلَ بها وصار يستذكر فاجعة كربلاء ويبكي لها وينحَب حينما يأخذ الحُسين (عليه السلام) ويُقَبِّلُه من نحره ويجلس مع خواصه يبكي ويُذكِّرهم بهذا المَصاب العظيم ويَعِد الباكي عليه الجنة بل صار يَشم تراب كربلاء الذي جاء به جبرائيل ومن ثَمَّ أخبر (أم المؤمنين) أم سلمة بصيرورة هذا التراب أحمرا حين مقتله ، وكان اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكبير بهذه الفاجعة وما آلت إليه النُخبة المؤمنة في وقت سابق على حدوثها واقامة التعزية بذكرها يكشف عن جعله ذلك شعيرة اسلامية بما سنَّه بشأنها من القول والعمل حتى ذكر الأئمة (عليهم السلام) لها آدابا ومراسيما وهي في غاية الأهمية فضلاً عن كون رسالة الحُسين بنفسها تُمثِّل شعيرة إسلامية لكونها امتدادا لمسيرة جدِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدفاع عن حياض الدِّين وحفظ معالمه ونشر الإصلاح في أمته وهكذا جرت سيرة أهل البيت (عليهم السلام)بهذا الشأن حتى أخذت مجالاً أوسع بعد استشهاده (عليه السلام) فجلس الأئمة (عليهم السلام) وبشكل دوري في كل عام يستقبلون الناس والشعراء مُعزِّين لهم أيام شهر محرم بل صاروا يحثون بكل تأكيد على زيارة الحُسين وإجراء مراسيم وأدبيات وأذكار معينة لها، ولما كان الأمر كذلك فإنَّها تكون من مصاديق قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج/32 ، وصارت الشيعة تقتدي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) في احياء وتعظيم شعيرة اسلامية تحت عنوان فاجعة كربلاء بما لها واقع إنساني ثابت ودَعَوي مؤثر ومسلكية رسالية ورمزية حقيقية عُظمى ليست من قبيل الملاحم والأساطير بل هي الواقعية الحُسينية التي أنارت العقول وحدَّدت بوصلة القلوب وأرشدت الأحرار وحيَّرت جبابرة الزمان وليس هذا إلا لكونه من الله وإلى الله تبارك وتعالى ، وكان الأجدر بالإنسانية جمعاء أن تتَخذ الرسالة الحسينية شعاراً عالمياً يرمز لكل قوى التحرر والمقاومة والرشاد والإصلاح فيتم لذلك وضع مراسيم رفع هذا الشعار من كُلِّ عام في عاشوراء محرم الحرام إحياءً وتعظيما لها ذِكْراً وعَملاً لتعلق ذلك بصميم حقوق الإنسان وتصحيح الولاء والفكر والممارسة ولا أقل أن يتفق المسلمون جميعاً على ذلك ، وليس هناك ما يمنع منه وقد قدَّم سيِّد شباب أهل الجنَّة وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الإمام المعصوم المُفترض الطاعة والناطق الفعلي بالإسلام آنذاك نفسه وأهل بيته وأصحابه قرابين لله تعالى لتكون كلمة الله هي العُليا وكلمة أعداءه هي السُفلى بتصحيح المسار الإسلامي ورفض المفاهيم المغلوطة والمواقف الذليلة إضافة إلى مقاومة الجاهلية الثانية ومقارعة الطغاة المستبدين . ومن هنا صار لسان حال شيعته المُخلصين الصادقين قولهم إذا كان القدر قد عاقنا عن نُصرته في كربلاء وتأخر وجودنا الزماني عنهمن دون اختيارنا لذلك فهذا لا يمنع من أن نعقد له الولاء وننصره في رسالته ودعوته ونستذكره في عاشورائيته وأربعينيته ومختلف المناسبات وبطرق تتناسب مع مقامه المُقَدّس وشعيرته الإسلامية وأن نستفيد من وحيها بما لها من أثر بالغ يبعث الروح في جسد الأمة ويخلق الوعي فيها ويُنقذها من الجهل والضلالة ويرسم لها الخطوط الواضحة لتعبئة الجماهير إعداداً وتمهيداً لنُصرة حفيد الحُسين (عليه السلام) إمام الأمة المهدي المنتظر (عليه السلام) الذي يُمثل القيادة المركزية الواقعية صاحب اليوم الموعود بخلاص العالم من الظلم والجور وإقامة العدل وهو الذي يتحمل مسؤولية الطلب بثأر جدِّه الحُسين لأنَّ دم المعصوم لا يتحمله واقعاً وبالشكل الحقيقي التام إلا معصوم مثله ولا يكون طلب الثأر لمجرد الدافع الشخصي والعاطفي بل بدافع رسالي من جهة القصاص الشرعي الربَّاني في عالم الدُنيا، وتنكشف عند ظهوره (عليه السلام)حقيقة انتماءات الناس بما لا مجال للكذب والتهرب تحت أيِّ ذريعة وخديعة.

والآن يُمكن أن نذكر جملة من النصوص والزيارات التي تحمل مضامين عالية ودلالات عقدية وشرعية وتربوية ترشد المُسلم الحُر إلى أدبيات الولاء والتمهيد والنُصرة ، منها ما ورد عن أبي عبد الله الصادق قوله :(لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني فقد أجابك قلبي وشعري وبشري ورأيي وهواي على التسليم لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب، و الدليل العالم، والأمين المستخزن، والوصي المُبَلِّغ، والمظلوم المهتضم، جئت انقطاعا " إليك وإلى ولدك وولد ولدك الخلف من بعدك على بركة الحق، فقلبي لك مسلم، وأمري لك متبع، ونصرتي لك معدة، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين لدينه ويبعثكم، فمعكم معكم لا مع عدوكم) بحار الانوار : ج98 ص168-170 .

وفي زيارة الناحية المقدسة للإمام الحجة (عليه السلام) يقول :)فلئن أخَّرَتْنِي الدُّهور، وعَاقَني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محاربا، ولمن نصب لك العداوة مناصبا، فلأندبنك صباحا ومساء، ولأبكين عليك بدل الدموع دما، حسرة عليك، وتأسفا على ما دهاك وتلهفا، حتى أموت بلوعة المصاب وغصة الاكتياب. اشهد انك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر والعدوان، وأطعت الله وماعصيته، وتمسكت به وبحبله فأرضيته وخشيته، وراقبته واستجبته. وسننت السنن، وأطفأت الفتن، ودعوت إلى الرشاد، وأوضحت سبل السداد، وجاهدت في الله حق الجهاد. وكنت لله طائعا، ولجدك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)تابعا، ولقول أبيك سامعا، والى وصية أخيك مسارعا، ولعماد الدين رافعا، وللطغيان قامعا، وللطغاة مقارعا، وللأمة ناصحا) المزار لمحمد بن المشهدي : ص 501 .

وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحسين بن علي (عليهما السلام) وهو مقبل، فأجلسه في حجره وقال:)إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي : ج10 ص318 .

عن ابن خارجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: )كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي (عليه السلام)وعلى قاتله لعنة الله فبكى أبو عبد الله (عليه السلام)وبكينا قال: ثم رفع رأسه فقال: قال الحسين بن علي (عليه السلام): أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى) بحار الانوار : ج44 ص279 .

وعن الربيع بن منذر عن أبيه قال كان حسين بن علي يقول : (من دمعتا عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة اثواه الله عز وجل الجنة) فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل : ج2من فضائل علي (D) حديث1154 .

وقال الإمام الرضا(عليه السلام): [إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكاء عليه يحط الذنوب العظام. ثم قال (عليه السلام):كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلى الله عليه) بحار الانوار : ج44ص283 .

وعن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أم سلمة (O) قالت : )كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيتي فنزل جبريل (عليه السلام) فقال يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك فأومأ بيده إلى الحسين فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وديعة عندكِ هذه التربة فشمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال ويح كرب وبلاء ، قالت : وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دما فاعلمي أنه قد قتل قال فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول إن يوما تحولين دما ليوم عظيم) المعجم الكبير للطبراني : ج3 ص108- ص109 .

وأيضاًقالت أم سلمة:)سمعت نشيج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح جبينه وهو يبكي((1).

وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال : )رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم فقلت يا نبي الله ما هذا قال هذا دم الحسين واصحابه لم ازل التقطه منذ اليوم قال فأحصى ذلك اليوم فوجدوه قتل قبل ذلك بيوم) المستدرك علىالصحيحين للحاكم النيسابوري : ج4 ص398 وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولميخرجاه ، وورد في مسند احمد : ج1 ص242 ، وورد في منتخب مسند عبد بن حميد : ص235 ..

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ مُنقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمُتقين .


ابو الحسن
حميد المقدس الغريفي
النجف الاشرف
10 / محرم الحرام / 1433 هـ

الرِســالة الحُســـــــَينِّيَة

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك