26‏/9‏/2017

أبو جعفر الموسوي

بيان حول النجف الأشرف عاصمة الثقافة الإسلامية 2012 م



فيما أفاده سماحة آية الله المُقدَّس الغريفي (دام ظله) حول النجف الأشرف فقال : لم تكن النجف الأشرف في يوم من الأيام غائبة عن الريادة في العلم والثقافة والقيادة حتى في أصعب ظروفها التي
مارست فيها القوى الظلامية جميع قدراتها في تغييب وتذويب دورها الريادي قسراً وتحجيم مساحة تأثيرها على الساحة المحلية والإقليمية والدولية لدوافع سياسية وطائفية حيث أنَّ النجف منذ نشأة مدرستها العلمية وما زالت تُمثل العاصمة الواقعية للثقافة الإسلامية لارتباطها الوثيق بمرجعية أهل البيت (عليهم السلام) الذين هُم واقعاً أهل العلم والذكر والهُدى إضافة إلى تواصل حركتها العلمية والمعرفية والثقافية فيها من دون توقف وبقدرات ذاتية مستقلة في جانبها المادي والتشريعي والثقافي حيث تملك بنفسها مقومات بقائها والمحافظة على خصوصياتها وطبيعة ارتباطها وتشرفها أيضاً بمراقد الأنبياء والأولياء والصالحين الذي أضفى عليها طابعاً روحانياً وكانت هذه العوامل سبباً مؤثراً في تمركز المرجعية العليا للشيعة الإمامية في النجف الأشرف ولولا ذلك لذابت واندثرت بفعل الضغوط النفسية والجسدية والممارسات القمعية المتواصلة التي طالت زعمائها وطلبتها ووجهائها وتُجَّارها و... ولذا لم يتأثر سلباً واقعها العلمي والثقافي بالمتغيرات السياسية والحكومية بخلاف غيرها من المراكز العلمية الإسلامية التي ارتبطت رسمياً بالحكومات المتعاقبة ومؤسساتها المتخالفة وتأثرت بسياساتها فخرجت بذلك عن كونها ذات ثقافة مستقرة وطبيعة مستقلة ، ويكفي ذكر هذا الفارق ليكشف عن عظمة الثقافة النجفية وأصالتها ونموها الطبيعي وشمولها لتستوعب العالم الإسلامي وتكون بحق وعن جدارة عاصمتها الواقعية ، ومن هنا حينما يُراد التعريف بالنجف الأشرف فإنَّه يحتاج إلى علماء عدول أحرار ومؤرخين ثقات أرباب اختصاص يُمارسون التحقيق العلمي بموضوعية وعدالة وفق رؤية تتابع فيها الحركة العلمية من منبعها الأصيل ومصدرها المُشِع وقادتها الرساليين ليكون الميزان العلمي والمعرفي واقعياً يُبنى على هذا الأساس المحوري والمركزي ويَتم على أساسه التقييم العلمي والمعرفي والثقافي من دون تذويب أو تشويه العناصر المؤثرة في ثقافة النجف الأشرف في الزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل لدواعي ضيِّقة سواء كانت حزبية أو عاطفية أو عصبية وبالتالي نبتعد عن ظاهرة تغليب منتجات السياسات الظالمة والجاهلة ، ولذا ينبغي إذا ما أراد أحد ٌ أن يتحدث عن ثقافة حضارة إنما لابد من قراءة حركة صُنَّاعها من أئمتها وعلمائها ومفكريها وأدباءها وليس حركة حُكَّامها الجُهلاء أدعياء العلم والثقافة لكي لا يقع في التحريف والتزوير الذي وقع فيه الكثير ممن كتبوا التأريخ وقد جعلوا محور كتاباتهم هو الحاكم الظالم حتى أسلموا أنفسهم وقلمهم للطُغاة والسفهاء رعاية لمصالح دنيوية ضيِّقة ولكن هذا لا يمنع من وجود حاكم عالم وعادل كما في علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو أحد مصادر العلم والمعرفة الأصيلة المؤثرة واقعاً على المسيرة العلمية والتربوية والثقافية ، ومن هذا المنطلق فإنَّ النجف الأشرف تفخر وتعتز بثقافتها الواعية والمتجددة لكونها تنهل من معين لا ينضب وتتشرف بأنَّها مكاناً للتعبد كان يقصده أمير المؤمنين (عليه السلام) مُذ جعل الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية وهو يُبَشِّر بالنجف حتى لقد أوصى اليماني صافي صفا ولدَه بأن ينقل جثمانه من اليمن ويدفَنه في أرض النجف لتناله شفاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما ورد في ذلك من روايات ، وقد قام الإمام (عليه السلام) بدفنه حيث قبره الآن وهو من المزارات الأثرية كما قد دُفِن في أرض النجف الكثير من الأنبياء كآدم ونوح وهود وصالح ، ومن ثَمَّ أصبحت تضمن مرقد الإمام (عليه السلام)، والأمر كما قيل إنَّ قيمة المكان بالمكين ، ثُمَّ صار شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) يدفنون موتاهم إلى قربه تحصيلاً لما ورد في ذلك من خصوصيات واستحباب وهي التي تُسَمَّى بمقبرة وادي السلام ، وقد أصبحت هذه المقبرة من أكبر مقابر العالم وأقدمها ، وحينما نتكلم عن النجف الأشرف جغرافياً فلا نقصد منها العنوان العام اليوم الذي يشمل الكوفة بحسب الحدود الإدارية لمحافظة النجف الأشرف بل نقصد منها المساحة الجغرافية المُحيطة بالضريح المقدّس على نحو الاستقلال ، ولأنَّ الحديث عن الكوفة عاصمة الخلافة الإسلامية يعني أننا سنتكلم عن حضارة سحيقة في القدم وعن دورها كعاصمة إسلامية وعن كل ما يَمُت إليها من صلة آثاريه وعلمية ومعرفية وحوادث تاريخية بكل تشعباتها وما إلى ذلك ، ولكنا نريد أن نتكلم عن خصوص النجف الأشرف التي هي إحدى ضواحي الكوفة ، والتي أستوطنها الشيخ الطوسي (Q)منذ ألف عام وأسَّسَ فيها الحوزة العلمية على نطاق واسع وقد أصبحت تُمثل المركز العلمي والمعرفي والقيادي للأمة وصارت مصدراً للإشعاع الفكري والحضاري بما أنتجه فتح باب الاجتهاد في هذه المدرسة الذي ساهم في عملية التجديد المستمر في مختلف العلوم الإسلامية ولذا فقد تخرج منها المئات من الفقهاء المجتهدين والمراجع العظام كما أنها رعت الجانب العلمي والمعرفي والأدبي والسياسي والثقافي حيث تَخَرَّج منها أيضاً علماء الهيئة والفلاسفة والأدباء والثُوّار الأحرار وإلى غير ذلك فهي في تجدد ونشاط مستمر مهما توالت عليها الضغوط والحوادث والنكبات ، ولذا فالإحاطة بهذه الحقبة الزمنية التي لها خصوصياتها وأبعادها المتعددة أمر متعسِّر وبالأخص فيما يتعلق بثقافة النجف الإسلامية وما أنتجته من آثار ومواقف وعلوم ومعارف وأدب الذي لا تستوعبه الندوات والمؤتمرات والصُحف والكتب لأنه عالم مفتوح مترامي الأطراف ، ومن هنا يقف المثقفون الواعون إجلالاً وإكباراً أمام هذا الواقع الثََر الماضي منه والحاضر لأنَّه لا يأتيه القارئ من جانب إلا وحصل على فقه أو أدب أو سياسة أو فلسفة أو عِبرة وموعظة أو .. كما لا يأتي النجف زائر إلا واستنارت روحه من حضرة أولياء الله تعالى اقتداءً وتأسياً بهم أو حضر مجالس علمية وإرشادية أو اقتنى كتاباً علمياً وثقافياً و..أو تواجد في أحد مساجدها الأثرية واكتسب منه روحانيته وناله الثواب واستذكر تاريخه وما إلى ذلك ولذا فهي مدينة العلم والعلماء والتي يجدر وصفها أيضاً بـ [مدينة الأحياء] ، ومتى يموت العالم وقد غاب شخصه إلا أنَّه يبقى ذكره وتخلد آراءه ومواقفه وآثاره التي يتداولها طلبة العلوم الدينية والمثقفون عموماً في مذاكراتهم ومجالسهم وكأنَّه يعيش بينهم ولذا صدق مَنْ قال : [الناس موتى وأهل العلم أحياءُ] .

والحديث يطول في هذا المجال ولكن ينبغي على المجتمعات الإنسانية أن ترعى حقوق هذه المدينة العلمية والتاريخية وتمنحها استحقاقها ولو أنَّ الأولى بأبنائها القيام بذلك ، ولذا نوصي الحكومة العراقية المركزية والمحلية أداء واجبهم الديني والوطني والإنساني إزاء هذه المدينة المقدَّسة التي يتوافد إليها الملايين من الزوّار في كلِّ شهر وأن ترعاها وتؤهلها بما يُناسبها عمرانياً وخدمياً وصحياً وإدارياً وأمنياً وتجارياً وأن يُحسنوا ضيافة الزوَّار والوفود وأن يكونوا دعاةً صامتين وناطقين بالحق والعدل وبالتي هي أحسن ، وأن تنأى بنفسها شرعاً وخُلقاً ووفاء لهذه المدينة عن الفساد الإداري والمالي ، وتعمل مُضافاً لما ذكرنا على إقامة قناة فضائية خاصة ومستقلة تكون ناطقة باسم النجف الأشرف وحوزتها العلمية وتقوم بتأسيس دور ضيافة خاصة بها كما ينبغي تأسيس قاعة مؤتمرات كاملة المواصفات إضافة إلى تأسيس مطبعة مركزية بمواصفات عالية والقيام بمعرض مركزي للكتاب النجفي وكما ينبغي إنشاء مدينة تكون متحفاً يضم تُراث النجف ويحكي عن معالمها وآثارها وتاريخها ومساجدها ومكتباتها ومدارسها الحوزوية وثُوّارها وأسماء وترجمة مراجعها وفضلائها العاملين ومقابرها والمزارات فيها ، كما ينبغي وضع دليل للنجف يستفيد منه الزائر والسائح ، ولكي تحافظ النجف على قدسيتها ومكانتها لابد من جعل حصانة لها ولمراجعها وطلبتها بالشكل الذي يليق بهم جميعاً ، ولا ننسى القول بأنَّ مؤتمرها الثقافي لابد أن يكون تحت اشراف الحوزة العلمية وأهل الاختصاص المستقلين ووجوه النجف من العلماء والمؤرخين والأدباء ، ولكي لا تُختطف النجف الأشرف بعيداً عن واقعها يجب على أبنائها وعموم العراقيين بالمحافظة على قدسيتها وهويتها العلمية والحضارية وعدم تمكين الأحزاب السياسية من التسلط عليها وعلى منافذها وعلى مؤتمراتها الدولية وأن لا تُستغل في جوانب دعاية حزبية فإنَّ ذلك يضُرُّ بواقع النجف وبمؤتمرها العلمي والثقافي وكما ينبغي أن يسعى الجميع بالتعاون الجاد لإنجاح مؤتمرها بما يليق ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومكانتها العلمية والثقافية وصمودها الملحمي عبر العصور ومواجهتها المستمرة للتحديات والمخاطر ، وفي نهاية المطاف لابد من القول بأنَّه لا يُمكننا الإحاطة بالحديث عن النجف الأشرف حيث لا تستوعبه المجلدات ولكننا لا نترك الميسور بالمعسور وبما يُناسب المقام في كلمة موجزة ، ونسأل الله تعالى النجاح لمؤتمرها وأن تكون العاصمة التي اعترف بها العَالَم رسمياً مستمرة ومتصلة بظهور صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن (عليه السلام) إنَّه مجيب الدعوات ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ابو الحسن
حميد المقدس الغريفي
النجف الأشرف
20 / ذي الحجة / 1432 هـ

بيان حول النجف الأشرف عاصمة الثقافة الإسلامية 2012 م

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك