الأحد، 24 سبتمبر 2017

أبو جعفر الموسوي

الإتفاقية الأمنية ...تعني: حكومة ظل أمريكية


بيان الإتفاقية الأمنية ...تعني: حكومة ظل أمريكية
 سماحة آية الله الفقيه السيد المقدس الغريفي (دام ظله) - النجف الاشرف
التاريخ/ 2 / 6 / 2008 م - الموافق / 28/حمادي الاول /1429هـ
https://drive.google.com/open?id=0B8iWm5IAJgmIWEJPRDRfd25ZeUU

قال تعالى : [ولن يَجعَلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا] النساء/141.

الحكومة العراقية اليوم بصدد عقد إتفاقية أمنية طويلة الأمد مع قوات الإحتلال الأمريكية ولم تتضح إلى الآن معالم وخطوط هذه الإتفاقية المزمع عقدها على نحو التفصيل ولكن تسربت عن بعض المسؤولين بعض بنود هذه الإتفاقية التي تمس بسيادة العراق وحريته واستقلاله وما زالت اللجنة العراقية تتفاوض مع الجهة الأمريكية للإتفاق على بنود هذه الأتفاقية الأمنية ، ولكن ينبغي بمقتضى العقل إدراك انَّ الارتباط الأمني مع قوى الاحتلال بأدنى مراتبه فيها خطورة سيادية على العراق وشعبه وخيراته وفيها محاذير شرعية لكون هذه القوّات معادية للإسلام والمسلمين بشكلٍ فاضح ، وأنَّ هذه الإتفاقية تعني تشريع بقاء الإحتلال على الدوام بمعنى أنَّها تمارس حكومة ظل أمريكية في العراق تتصرف وتخوض فيه بما يتوافق مع مصالحها الشيطانية وقانونها الخاص وبلا رادع لها وبوجود ذرائع مختلقة ومشاكل مستديمة تسوِّف وتماطل فيها وهذا يجري منذ احتلال العراق وإلى يومنا هذا بعيداً عن إرادة الشعب وحكومته ومتجاهلة القوانين والتشريعات العراقية ، بل أنَّها تفرض على الشعب وفي أيِّ لحظة كل ما تريد حتى أنَّها تتدخل في جميع مفاصل الحياة العراقية لتسلب عن الحكومة السيادة حتى على المؤسسات الخدمية كالكهرباء والماء وشبكات الهاتف وقطع الطرق والجسوركما هو معلوم ومشاهد ...إلخ فضلاً عن المؤسسات العسكرية والأمنية والإقتصادية ، لتدخل قوى الاحتلال ببرمجة جميع هذه المفاصل الأساسية بما يؤدي إلى تعطيل المنظومة الحياتية وتعذيب الشعب وإرباك العمل المؤسساتي في الدولة من أجل ممارسة الضغوط على الشعب والحكومة وابتزازهما ومساومتهما بالشكل الذي يُحقق الإحتلال أهدافه الإستراتيجية في الشرق الأوسط من خلال الموقع العراقي ، ثمَّ إن هذا الارتباط الأمني الذي تبغيه قوات الإحتلال هو لأجل تجنيد الحكومة العراقية واستمالتها نحو تحقيق أهداف الإستعمار الصليبي تحت أيِّ عنوان ، ولا يخفى على الشعب ان أهداف قوات الاحتلال شيطانية فهي لا ترعى حقوق الشعب العراقي ولا تبالي له وانما تنظر في هذه الاتفاقية وغيرها إلى مصالحها السياسية والامنية والاقتصادية واستعباد الشعوب وتجنيد الحكومات وفق مصالح ضيِّقة تضرّ بالشعوب المستضعفة المقهورة ، وما نحن عليه اليوم في عراقنا المحتل والواقع تحت وصاية الأمم المتحدة وتحت البند السابع في مجلس الأمن الدولي نفتقر صراحة وبما لا يقبل الشك إلى الاستقلال والسيادة والحرية والعدالة والأمان والإستقرار والسلام ، وحتماً أن جميع ذلك لا يتحقق للشعب عن طريق قوى الإستكبار والإستعمار. ومهما تكن تفاصيل هذه الاتفاقية الأمنية فان محور هدفها المُعلن هو مكافحة الأرهاب ولكن ينبغي أن لا نغفل الدور الرئيسي منها وهو الإستعمار والتبشير ، ولو قبلنا جدلاً بذريعة مكافحة الإرهاب فعلينا أن نتكلم بمكاشفة وواقعية ومسؤولية ونسأل انفسنا ما هو الارهاب الذي يجب مكافحته ؟ وما هي حدوده ؟ ومن هو الارهابي ؟ فهل الإرهاب والإرهابي هو ما يراه الإحتلال الصليبي أم ما يراه الشعب ؟ وكيف سنتعامل مع الارهاب إذا كُنَّا نجهل معالمه وحدوده ؟ أم أنَّه يبقى مفهوماً مطّاطاً تلعب على وتره قوّات الإحتلال وأذنابها لتضرب كل من لا يسير وفق أهدافها ومصالحها بإسم الإرهاب والتطرف وتخريب العمل الديمقراطي ... وبالتالي سيصبح الشعب العراقي بأجمعه إرهابي لكونه يرفض وجود الإحتلال وبقاءه ولو للحظة واحدة على أرض العراق ولإستنكاره جرائم المحتلين .

ثم لو تمَّ تعريف الإرهاب وتمَّ تشريع وتقنين المواد اللازمة لمعالجة الإرهاب سياسياً واقتصادياً وأمنياً وقضائياً قبل الإتفاقية الأمنية ، وتبيَّن جدلاً أنَّ هذه الإتفاقية لا تخل بنودها بسيادة العراق حيث أنَّ فرض المحال ليس بمحال ، لأنَّ أصل بقاء االمحتل باتفاقية أو بدونها هو مُخِلٌّ بالسيادة والإستقلال والحرية ... ، فهل نثق ونطمئن إلى سياسة قوى الاحتلال من الانقلاب على الحكومة والشعب وفرض ارادته وأجندته بعد تمرير هذه الاتفاقية وتشريع وجوده على أرض العراق وبمساندة القوى المرتبطة به من العملاء والمتخاذلين ؟ ! ولا أقلَّ أَّنَّهُ لا يستجيب لأرادة الشعب ولا يلتزم بشروط هذه الإتفاقية واقعاً كيفما كانت إذا تطَلَّبَ ظرف المُحتل ومصلحته سياسَة أمنية تتعارض مع أحد بنود هذه الإتفاقية ، فهل تستطيع الحكومة أن تقف في مواجهة قوَّات الإحتلال وردعِهِ ؟! ، ثُمَّ كيف نأمن ونثق بقوى محتلة فاسدة صليبية ونربط انفسنا ونلزمها باتفاقية تؤدي إلى هلاك شعبنا وتضييع هويته واستعباده وتقسيم أراضيه ؟ والحال هنا هو نفس حال اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916م ، التي نصَّت على اقتسام البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا وتخصيص بريطانيا بالسيطرة على فلسطين....إلخ .

وكذلك وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني الذي تعهد للصهاينة بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين1917م .

وكذلك مؤتمر سان ريمو في ايطاليا الذي قرَّر فيه مجلس الحلفاء الأعلى الذي يضم فرنسا وبريطانيا وفي ضمن بنود متعددة اخذت مواقفاً اتجاه البلاد العربية فوضعت العراق تحت الانتداب البريطاني والتزمت بتنفيذ وعد بلفور للصهاينة ... الخ .

وكذلك المعاهدة بين العراق وبريطانيا عام1922م التي تمَّ الاتفاق على ثمانية عشر مادة تعطي استقلالاً جزئياً للعراق ، فرفضت الحكومة العراقية التوقيع عليها إلا ان الحقبة الثالثة من عهد عبد الرحمَن الكيلاني استطاع البريطانيون تحصيل التوقيع عليها بعد أن تمَّ البطش بالحركة الوطنية من قبل المعتمد السامي . وهكذا الحال في حلف بغداد1955 م الذي وقع عليه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد ببغداد مع تركيا وبريطانيا وايران وباكستان ودول اخرى باشارة وإيعاز أمريكي بهدف ايجاد تكتل معادي للشيوعية للقضاء عليه في الشرق الاوسط ولكن بعد ثورة 14/تموز/1958 بقيادة عبد الكريم قاسم الذي أعلن انسحابه من هذا الحلف وقد حُلَّ الحلف بعد ذلك ، وهذه الإتفاقية اليوم هي لضرب التكتل الإسلامي الوطني المقاوم في العراق والعالم العربي والإسلامي كما صرَّح الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه الفرصة السانحة المطبوع عام1992م (( لقد انتصرنا على العدو الشيوعي ولم يبقى لنا عدو إلاّ الإسلام )) . وكذلك قول الرئيس جورج بوش بعد غزوه العراق (( فالتكن حرباً صليبية جديدة)) . وكذا قوله (( الفاشية الإسلامية)) ، وخطاب بابا الفاتيكان الأخير وقوله : من الثابت بل من الواجب التبشير بالإنجيل كما دعا أيضاً إلى ضمِّ كُل البشرية إلى المسيحية ، وإساءته للإسلام وللرسول الأعظم (ص).

ومسيرتهم في البلاد الإسلامية المحتلة وتعاملهم مع الحكومات العميلة والشعوب المستضعفة يكشف بوضوح العداء للإسلام والمؤامرة عليه مضافاً إلى التصريحات الكثيرة المعادية للإسلام والإسلاميين المقاومين التي لا يسع المقام ذكرها الآن . ومن خلال فهم مسيرة الحركة الاستعمارية والتبشيرية في عالمنا الاسلامي والعربي ومعرفة أهدافها والآليات التي تعمل بها نستطيع أن نحدّد بعض أهداف الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد المزمع عقدها بين الحكومة العراقية وقوى الاحتلال الأمريكي بعد ان تمَّ التوقيع على وثيقة (إعلان مبادئ) بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتاريخ26/ 8 / ه2007م والتي يحكم الاتفاق بينهما على إبقاء تواجد القوات الأمريكية في العراق إلى ما بعد2008م .
(( بعض أهداف قوّات الإحتلال الأمريكي من الإتفاقية ))

أولاً : مقدمة لتمرير مشروع تقسيم العراق وفق رؤية عضو الكونغرس الأمريكي جوزيف بايدن وبدعم وحماية أمريكية وأوربية.

ثانياً: ضرب التيارات الإسلامية الوطنية المقاومة في العراق وعموم البلاد العربية والإسلامية واستبدالها قهراً بميليشيات ساندة وداعمة للوجود الأمريكي كما في ميليشيات الصحوة المتأمركة التي اصطلح عليها مؤخراً قوى الإسناد والتي يعرف الشعب العراقي خلفيات هذه الصحوة وعناصرها وتوجهاتها وارتباطها المباشر بقوى الإحتلال أمنياًَ وسياسياً ولوجستياً حتى جعلوا لها اليوم كياناً سياسياً وأصبح الإحتلال يُمهِّد لهم الأرضية المناسبة لقيادة العراق مستقبلاً في ظل هذه الإتفاقية أو في ظل وجود الإحتلال كيفما كان في إطار ممنهج لتسطيح وتذويب الإنتماء إلى الإسلام ومنع العمل والدعوة لحاكميته بصريح ما قاله بوش ( إنَّه لن يكون هناك نظام إسلامي في العراق ) ، بينما يُعطىَ له الحق في صنع هوية الشعوب و يدعوهم لتبني النُظُم العلمانية والليبرالية ويُمَهِّد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ، حيث أصبَحَ العراق يُقاد من خلال حضور الإجتماعات الدولية المشتركة مع إسرائيل وتبادل النظَرات معَها ومِنْ ثمَّ السلام وبعدها الكلام ليحصَلَ بَعدَ ذلك الإستسلام الذليل ، وللأسف أنَّ النظرات والسلام والمصافحة باليَد قد حصَلَ ونَشَرتُه وسائل الإعلام حول ما قام به الرئيس جلال الطالباني ومصافحته لوزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك وقبلَهُ قام وزير الخارجية هوشيار زيباري بمصافحته المسؤول الإسرائيلي في مجلِس الأمم المُتحدة وهكذا الحال بالنسبة لسفير العراق في الأمم المتحدة وحضورهِ الإحتفال السنوي لذكرى المحرقة اليهودية الهولوكست ولا ندري ماذا خلْفَ الكواليس !!! .

ثالثاً : محاصرة سوريا وإيران والمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وفق استراتيجية أمنية عالمية بعيدة المدى منسجمة مع أهداف الدرع الصاروخي على حدود شرق أوربا التي تنوي الولايات المتحدة الأمريكية نصبه ، وفي هذا تهديد مباشر للإسلام والمسلمين في العالم وإكمال الجهوزية لضرب إيران أو إضعافها وبما يؤسس أيضاً لحماية إسرائيل على المدى البعيد الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية على عاتقها مدعومة علناً من بابا الفاتيكان ، كما قد أكدَّ جورج بوش في الكنيست الإسرائيلي بقوله :( أمن إسرائيل من أمن أمريكا) وقوله أيضاً:( إنَّ بلاده تدعم إسرائيل بشكل ثابت في مواجهة قوى الإرهاب والشر) ، وكذلك قول المرشح الأمريكي للرئاسة باراك أوباما (أمن إسرائيل مقدَّس ) وأمَّا بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر فإنَّه يُبارك لليهود عودتهم لأرض فلسطين بعد ثلاثة آلاف سنة ويعتبر ذلك حقاً لهم وعبَّر أيضاً عن (( شكره الرب لإمتلاك اليهود أرض أجدادهم )) .

رابعاً : هذه الإتفاقية هي من سنخ الإتفاقيات الإستعمارية التبشيرية التي عقد ت سابقاً كما في اتفاقية سايكس - بيكو ، واتفاقية وعد بلفور واتفاقية سان ريمو ، وهي شبيهة جداً باتفاقية العراق مع بريطانيا عام1922م واتفاقية حلف بغداد عام1955م ، فتكون هذه الإتفاقية الأمنية تمثل مجموع أهداف تلك الإتفاقيات الملعونة بحق العراق وشعبه وخيراته وبحق الإسلام والمسلمين.

خامساً : السيطرة على منابع النفط في ظل أزمات اقتصادية عالمية حادّة وهبوط قيمة الدولار وتدني الوضع الإقتصادي الأمريكي وصعود غير متوقع ولم يسبق له نظير لسعر برميل النفط إلى أزيد من(138$) وزيادة أسعار المواد الغذائية العالمية وتفشي المجاعة في كثير من البلدان ، كما أنَّ للتصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري الإستكباري المبرمج والممنهج على الإسلام والمسلمين وتعمد الإساءة للرسول الأكرم محمد (ص) والقرآن الكريم وتكريمِهِم للمرتدِِّين كما فعلوا لسلمان رشدي ومجدي علاّم ، إضافة إلى أنَّ العملاء يتفاعلون ويستجيبون لإملاءات قوّات الإحتلال في توسيع مادة النزاع والتصعيد في نشر التصريحات غير المسؤولة ضد إيران بدافع تبعي ونفعي وطائفي ومذهبي وإثني لتوسيع رقعة الصراعات والإنقسامات بين الشعوب الإسلامية وتقوية جانب المحتل الأمريكي والإسرائيلي وإضعاف المقاومة الإسلامية الواعية في العراق ولبنان وفلسطين ، وصاروا يستعملون الإزدواجية النفاقية والمجاملَة البغيضة في التعامل مع دول الجوار ليُخرجوا من السجون العراقية عناصراً إرهابية تكفيرية قاطعي الرؤوس ومُفجِّري التجمعات البشرية والعتبات المقدَّسة والمدارس والأسواق ...ويُسلِّموهم إلى السعودية الدولة الموالية للقوَّات المحتلة وقد تلطخت أيديهم بدماء المئات من العراقيين بل الآلاف في حين نسمع تصعيداً إعلامياً وسياسياً على الدول المعادية للحكومة الأمريكية ، وبين هذا وذاك نجد العراقي مستباحاً دمه فيُعدم بعضهم في الشوارع ويُحرق البعض الآخر بلا محاكمات قضائية ولا تطبيق للقانون العراقي ضمن عمليات فرض القانون ، ونتيجة هذه السياسات النفاقية الظالمة والصراعات الإقليمية والحروب الداخلية والخارجية لكثير من بلدان العالم والإنقسامات الطائفية والمذهبية والعنصرية ومُشكِلة التجاذبات والتحديات العالمية حول مشروع أمريكا لإقامة الدرع المُضاد للصواريخ على حدود شرق أوربا والتدهور الإقتصادي وهبوط سعر الدولار وارتفاع سعر النفط وغلاء أسعار المواد الغذائية والتحديات العالمية الجديدة لسياسة أمريكا والفشل المتتابع للسياسة الأمريكية والخطر الذي تشعر به إسرائيل على وجودها ، فإنَّ جميع ذلك يفرض على الأمريكان بسط نفوذهم وقواعدهم العسكرية في كثير من بلدان العالم تحسُباً من إندلاع حرب عالمية ثالثة توقد نارها الولايات المتحدة الأمريكية بذريعة النووي الإيراني والإرهاب والطائفية وأمن إسرائيل ، وقد هدَّد (بوش) بذلك في أحد خطاباته . وفي خضم هذه الأجواء الرهيبة يجب أن تكون السياسة العراقية سياسة مستقلة ومتوازنة وعادلة مع دول الجوار وغير خاضعة للمصالح الضيِّقة والضغوط الأمريكية وتأثيرات سياستها الخارجية وبما يضمن كرامة العراق وشعبه ويصون إستقلاله وسيادته ويحفظ أراضيه وموارده ويُحَقِّق له مصالِحَهُ .
(( حصيلة ما تقدم ))

انَّ عقد اتفاقية أمنية مع قوى محتلة ومعادية للإسلام والمسلمين ومناهضة لإرادة الشعوب العالمية المتحررة هو محرمٌّ قطعاً بحكم العقل والشرع لما يؤدي ذلك إلى تشريع بقاء الإحتلال تحت عنوان اتفاقية أمنية والتي تمّسّ يقيناً بسيادة العراق واستقلاله وهذا ما ترفضه الشعوب الحُرَّة وبالأخص الشعوب الإسلامية التي أكد الله تعالى في القرآن الكريم نفي سبيل الكافرين على المسلمين لكونه يُحقق التسلط والتحكم والنفوذ الأجنبي الكافرعلى المسلمين بمختلف جوانب الحياة التشريعية والأمنية والإقتصادية والعسكرية بما يؤدي إلى إذلال المسلمين واستعبادهم وتقسيم أراضيهم ونهب خيراتهم ومصادرة حقوقهم .....بذرائع مختلفة وبمسميّات متعددة ، وقد قال تعالى :( ولن يجعلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا) النساء/141. ومع كلِّ هذا فإنَّ قوَّات الإحتلال اليوم تداهم مؤسسات الدولة ودور العبادة ومساكن المواطنين وتقطع الطرق والكهرباء والماء وتمارس القصف بالطائرات والمدرعات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة على المناطق السكنية وتُحدث القتل والخراب والمجاعة وتعتقل من تشاء من المسؤولين ممن لهم حصانة دبلوماسية وغيرهم ولا يقف أمام إنتهاكاتهم وتحقيقاتهم الأمنية قانون أو تشريع أو سلطة ، إضافة إلى أنَّ سجونها الخاصَّة في عموم العراق مليئة بالسجناء ولا سلطة للحكومة العراقية أيضاً عليها ، كما أنَّ شركاتها الأمنية من المرتزقة ترتكب الكثير من جرائم القتل في الشوارع العراقية ولا توجد سلطة تنفيذية تردعهم أو تستطيع أن تنفذ القانون بطردهم من العراق وغير ذلك الكثير ، فأيُّ سيادة واستقلال وحرية وعدالة وسلام مع هذه الجرائم وأمثالها ؟! وكيف يُمكن أن نشرِّع لهؤلاء البقاء على أرض العراق وسياساتهم الأمنية وغيرها مليئة بالمظالم والجرائم والمفاسد ....؟ ! . ألم تكن جميع الدعوات للشعب بأن يسعى لإخراج المُحتل وسَدِّ الذرائع عليه من خلال الخروج إلى الإنتخابات وقد حصل عِدَّة مَرَّات وكذا الإستفتاء على الدستور و دعم العملية السياسية ومُسانَدة الحكومة المنتخبة وهذه الأعمال بحَسَب تلك الدعوات هي مُقَدِّمة لإخراج المُحتل وهي بمثابة مقاومَة سلمية لِكيَ يَخرُج من العراق بأسرع فرصَة ممكِنَة ؟!! فَمَا حَدا مما بَدا لنُشَرِّع اليوم باتفاقية أمنية بقاء الإحتلال على المدى البعيد وننقض أدبيات ما كُنَّا ندعوا لَهُ مِنْ ضرورة خروج المُحتل من خلال دَعم العملية السياسية وسَدِّ الذرائع على المُحتل !!! ، وأصبَحَت التبدلات في المواقف السياسية بينَ ليلة وضُحاها من دون الإستناد إلى إرادة الشعب المُعتمد في مواقفه على الشرع الشريف ، والغريب في ذلك أيضاً الذريعة الداعية للتخلص من وصاية الأمم المتحدة والبند السابع المفروض على العراق من مجلس الأمن بواسطة هذه الإتفاقية الأمنية ، بمعنى الخروج من سيءٍ إلى أسوء ومن فاسِدٍ إلى أفسَد ، لأنَّ البنْدِ السابِع وُجِدَ منذ عهد النظام الصدَّامي المقبور ، والمفروض أَنَّها تزول هذه الوصاية ومقررات الفصل السابع بزوال سبَبِها وهو النظام السابق الذي اقترنت به هذه الأمور ، ولذا ينبغي على الحكومة المنتخبة أن تعمل جاهِدة على إزالة مُخلفات النظام السابق وآثاره الفاسدة بالضغط السياسي الدولي والإقليمي وبالضغط الشعبي .....إلخ بحيث تتلاشى وتذوب فاعلية مقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تدريجياً إلى يتم إزالته كُلِّياً مِنْ مصدَرِهِ ، وليس للحكومة أنْ تقوم بعملية استبدال بين ما هو سَيء إلى ما هوَ أسوء ، ثُمَّ أنَّ الفرقَ كبيرٌ بين أنْ تكون السيادة والإستقلال معدومٌ أو منقوصٌ قَهْراً نتيجة الإحتلال وقوَّة وهيمنة الإستكبار العالمي مع رفض القوى الوطنية الشعبية لَهُ والعمل على إزالتِهِ وبين أنْ تكون بإرادة ورغبة الحكومة بحيث تكون بعض القوى فيها أحرص من أمريكا على توقيع الإتفاقية وتشريع بقاء المُحتل على أرض العراق وهذا وحده يكفي لِسَلْبِ السيادة والإستقلال ، فكيفَ إذا تَمَّت بموجب الإتفاقية إضافة بنودٍ اً أخرى إلى بنود تمديد بقاء هذه القوَّات لمدة طويلةِ الأمَد ؟!!! وفرْقٌ كبير ما بين الأمرين فتأمل ! ثُمَّ أنَّ التاريخ يُسَجِّل كُل هذه المواقف مُضافاً إلى ما هُوَ أعظم والمُتَعلِّق بضرورة متابعة الإرادة الإلهية في أوامره ونواهيه وبخلاف ذلك ينال المخالف ما يستحق من الله تعالى في الدنيا والآخرة من الذل والمهانة والعقاب .

ويكفي أن نقول أنَّ الشعب العراقي اليوم هو بأمسِّ الحاجة الى التحرر والتحرير من براثن الإحتلال الجاثم على صدور العراقيين ، ولذا فهو لا يحتاج إلى إتفاقية أمنية مع قوى محتلة ومعادية تُشرِّع بقاءه في العراق وتُعمِّق نفوذه وتؤسِّس لبناء مشاريع استعمارية واستثمارية وتبشيرية بعيدة المَدى ، في حين يجب علينا أن نؤسِّس عراقاً جديداً من خلال الإستعانة بمصادرنا الوطنية وخيرات بلادنا وقدرات شعبنا وعلاقاتنا المُستقِلَّة وحكمة مراجعنا الرساليين لبناء قوّة ذاتية مستقلة تستغني عن التبعية لأعداء الإسلام التي يحرم الإستعانة بهم في تمرير وتنفيذ مشاريع سياسية وعسكرية .... تضرُّ بالمسلمين في داخل بلدنا الحبيب و خارجه .

وأخيراً نقول : الحمد لله لقد حصل الإجماع الوطني العراقي والعربي والإسلامي على رفض هذه الإتفاقية الأمنية وإدراك عموم أبناء الشعب العراقي الحُر الأبي بوعي وبصيرة أهداف هذه الإتفاقية ولذا أجمعوا على رفض الخضوع والخنوع لإرادة المحتل الغاشم المستكبر الذي يحمل شعار الإستعمار والتبشير ، ونأمل من الحكومة العراقية أن تقطع مادة الفساد وترفض هذه الإتفاقية المشؤومة جملة وتفصيلا وتصون العراق أرضاً وشعباً وخيرات ومقدسات وتُجَنِّب العالم حدوث أزمات خطيرة محلية وإقليمية ودولية ، كما أنَّ عليها أن تدرك أنَّ قوات الإحتلال لا تستحي مما فعلته بحق الشعب من المنكرات والقبائح والجرائم وانتهاك جميع الحقوق الإنسانية والإساءة إلى المقدّسات فهي لا تبالي إلاَّ بمصالحها الشيطانية والتي منها هذه الإتفاقية ، ولذا يجب على الحكومة العراقية شرعاً وعقلاً وعرفاً أن تُظهر موقفاً وطنياً شجاعاً بالوقوف مع إرادة الشعب وتستقوي به بعد الله سبحانه وتعالى وأن لا تضعف في مواجهة قوى الإحتلال لرفض هذه الإتفاقية التي تضرُّ بمصالح العراق وشعبه و تعكس ردود أفعال سلبية أيضاً على كل المستويات الحياتية ، كما لا يصح لأحدٍ أن يُسَوِّغ شرعية الإتفاق بما فعله الرسول (ص) في معاهدة صلح الحديبية مع مشركي قريش وكذلك مع نصارى نجران في المباهلة وكذلك مع يهود المدينة لأنَّ هذا يختلف موضوعاً وحكماً عمَّا نحن عليه اليوم لأنَّ الرسول (ص) كان حاكماً وسيداً على أرضه ومستقلاً وحراً في دولته (المدينة المنورة ) وهو قد فرض الجزية على اليهود والنصارى وسنَّ لهم تشريعات ليكونوا في ذمَّة الإسلام والمسلمين وليس كما هو الحال اليوم يريد الإستكبار منَّا أن نكون في ذمَّة اليهود والنصارى وهم لا عهد لهم صادق ولا وفاء لهم معنا ولا سبيل لهم علينا ، ومن ثمَّ بعد مؤامرات اليهود المتكررة ونقضهم للعهود قام الرسول (ص) بإجلائهم عن المدينة إلى خارجها ، وأمَّا اليوم فيريدون أن يُحدثوا العكس تماماً كما بيَّنا ، وأمَّا قريش فبعد نقضهم لبنود صلح الحديبية خرج الرسول (ص) عليهم لفتح مكة وقد نصره الله تعالى ، وخلال مسيرته في الدعوة إلى الله تعالى قاوم الأشرار في الداخل والخارج في معارك عديدة ولم يستسلم أو يستكين أو يعاهد على حساب سيادته واستقلاله وحريته وإسلامه ودعوته ....إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد الكثيرة ، والقرآن في صريح الكثير من الآيات يمنع من هذا الخنوع لأنَّ الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه ، وأمَّا من يذهب بعيداً في السياسة ويستشهد بإتفاقيات أمنية حصلت بين الدول الكافرة بالرغم من كونها مسلوبة الإر ادة إلاّ أنها ناجحة فيما يزعمون كما في إتفاقية هونكونك وأمريكا ...إلخ فهذا لا يمت إلى الإسلام والمسلمين بصلة وليس في هذا الإستسلام مبرِّراً لتشريع بقاء الإحتلال وفرض إرادته على الشعوب المسلمة الحُرَّة ، ولا يكون هذا شاهداً لنا ولا حجة علينا ولا عملاً عقلائياً مشروعاً حتى نقتدي به فتأمل ، ولذا ندعوا الله تعالى أن يهدي الجميع لما يُحبُّه ويرضاه ويزيح عن العراق وشعبه المسلم وخيراته الإحتلال المقيت ليعم الأمن والإستقرار والخير والسلام ومن الله العون والتسديد .

الإتفاقية الأمنية ...تعني: حكومة ظل أمريكية

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك