الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

أبو جعفر الموسوي

صــــــــانعوا الفدراليــــــــة



صُنَّاع الفدرالية في العراق مهما شاهدوا الواقع العملي السيئ والمنحرف لهذا النظام إلا أنَّهم يُدافعوا عنه فيخلطوا الحق بالباطل ويُضلِّلوا الناس والرأي العام عن طريق قلب
المفاهيم المُقَسِّمَة إلى مفاهيم اتحادية جامعة وتصوير ذلك من خلال شعارات وكلمات برّاقة زائفة لا واقع لها على الساحة العملية اقتداءً منهم بالسفسطائيين وتبعاً في ذلك لالتزاماتهم ومصالحهم حتى أفرطوا بالثرثرة فيها اعلامياً إلا أنَّ الواقع العملي فضح زيفها وفساد أهدافها ، كما أنَّهم عن جهل أو تضليل مقصود يزعمون أنَّ النظام الفدرالي في العراق يُعتبر من الأنظمة المتطورة كما هو حال الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة ويقيسون فدرالية العراق كمفهوم نظام على تلك الأنظمة في حين أنَّ تلك الأنظمة اتحادية جامعة ملتزمة بينما النظام الفدرالي في العراق يُعَدُّ من الأنظمة التقسيمية ذات الطابع الفوضوي في واقعها وتطبيقاتها حيث لا يلتزم الإقليم بنظام المركز كما في إقليم شمال العراق بل يُخالفه ويُنازعه ولا يهتم له إلا بما يجلب له من مصالح ويدرأ عنه المفاسد بل أصبح يتعامل الإقليم مع أعداء المركز ويكون حاضنة لهم على طول العملية السياسية بل نجده يستقوي على باقي المحافظات المجاورة له بوسائل الضغط والقوة المسلحة وخصوصا حينما يضعف المركز كما حصل بعد سقوط الموصل في الشهر السادس من عام 2014 م حيث لا نستبعد قوياً بمؤامرة كبار السياسيين الكرد مع البعثيين الصداميين والتكفيريين (داعش) باحتلالها ، وبعد سقوطها قام الكرد باحتلال كركوك وخانقين وأجزاء أخرى من ديالى والموصل وصلاح الدّين وآوى العملاء والخونة والمتآمرين عندهم ، فأيُّ تجربة عظيمة للفدرالية في العراق ؟!! ، بل قاموا بتهديد الجيش العراقي عدة مرّات بالحرب عليه إذا ما سعى لاسترداد أيِّ بقعة احتلها الكرد ، فأين الدستور ؟!! ، وأين القانون ؟!! ، وأين النظام الفدرالي العظيم الذي يخدم الوطن والشعب ويُحقق الطموحات ؟!!.

للأسف صار بعض الناس يعيشون أوهام الفدرالية من النعمة والرخاء والطمأنينة والازدهار التي جاء بها المحتل الأمريكي والتي توافق عليها معه معارضة الخارج من الأحزاب والسياسيين في مؤتمر لندن وغيره وإذا بالأمر صار معكوساً تماماً ليكون شمال العراق دولة مستقلة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ودلالة ، ويكون من الكذب والدجل إذا قيل خلاف ذلك ، وصار العرب السُنَّة يُطالبون بإقليم سُنِّي لهم وصارت بعض محافظات الجنوب كالبصرة تُطالب بإقليم لها وهكذا كركوك التي احتلها الكرد اليوم بعد سقوط الموصل والأنبار والتدهور الأمني في عموم العراق تُطالب بإقليم ، وكلٌ منهم يريد أن ينعزل ويستقل عن الآخر تخوفاً وتخلصاً من فساده وإرهابه وعمالته وو .. لسوء العملية السياسية وفساد وانحراف أحزابها بما لا مجال للتفصيل الذي يُخولك الحديث عنهم بلا حرج .

وبالرغم من أنَّ الدستور كفل لكل محافظة أو بعض المحافظات مجتمعة قيامها بإقليم خاص بها كما هو حال الكرد في شمال العراق إلا أنَّ أحزاب السلطة تمنع من ذلك خشية أن تفقد سيطرتها على هذه الأقاليم كما فقدتها على إقليم شمال العراق ولذا منعوا وبوسائل عدة من تمكين البصرة أن تكون اقليماً فدرالياً وفق الدستور كما منعوا المثلث السُنّي في الغربية وما يتبعها من اقامة هذا الإقليم ، فلو كان النظام الفدرالي المعمول به في العراق يتوافق مع وحدة الشعب وأرضه ومصالحه وظرفه كما يزعم السياسيون فلماذا يرفضون إقامة هذا الإقليم السُنِّي أو الشيعي ؟!!! ، وإذا كان لا يتوافق فلماذا كتبوه في الدستور ومنحوه للكرد بشكل يفوق القانون والدستور ؟!!! ، وإذا كان النظام الفدرالي معمولاً حصراً للكرد فقط فلماذا لم يتم التصريح به في مواد الدستور وتحديد نقاط الخلاف فيه معهم وحلها ؟!!! ، ولكن عدم أهلية المتصدين للحكم والسياسة وانعدام الرؤية الصحيحة لديهم لقراءة الواقع وتهافتهم على تقسيم ما يُسمى بالكعكة العراقية جعلهم لم يلتفتوا إلى مصلحة العراق بل خضعوا لأوامر الحاكم الأمريكي (برايمر) في تنفيذ ثوابت مقررة داخل الدستور بمثابة قنابل موقوتة ضد مصالح الشعب ، وصار السياسيون والأحزاب يتنازعون ويتصارعون على المناصب والمكاسب والنفوذ بينما صار الكرد يبنون دولة ويُقيمون علاقات ويعمرون إقليمهم ويُصدرون النفط ويفرضون شروطهم وإرادتهم على حكومة المركز والمجلس النيابي وفق محاصصات مقيتة .

إذن إما أن يكون النظام الفدرالي فيه خلل ولا يتناسب مع العراق ، وإمّا أن تكون أحزاب السلطة فيها خلل لا تستطيع العمل على إدارة هذا النظام وإمّا أن يكون الشعب فيه خلل لا يفهم معنى الفدرالية ومتخلف عنها ثقافياً وإدارياً وعملياً .

ولكن الحق أنَّ الخلل واقع في هذا النظام الذي لا ينسجم مع الواقع العراقي ومصلحته لأنَّه مشروع تقسيمي من قبل المحتل الأمريكي ، كما أنَّ الخلل في أحزاب السلطة فهي قاصرة ومُقصرة لا تمتلك رؤية مستقبلية للعراق ولا تحمل مشروعاً نهضوياً ولا تبالي بما يحدث سوى الاهتمام بمراعاة مصالحها الحزبية والشخصية في السلطة والمال والنفوذ واستعباد الجماهير وادِّخارهم كبضاعة يستهلكوها أوقات التعبئة الجماهيرية والانتخابات ليكونوا شهود زور على عملية سياسية فاشلة أمام الرأي العام العالمي .

وحينما كتبت (الفدرالية من منظور فقهي) في 1/جمادي الآخر /1427هـ الموافق 28/5/ 2006م ، قامت الدنيا ولم تقعد بالنقد والتهديد والوعيد والاستخفاف به بدعوى أنَّه يتكلم رجماً بالغيب ولا يعرف شيئاً عن مصلحة العراق وضرورة النظام الفدرالي واستُغِلَّت بعض المنابر وبعض منصات الساسة والأحزاب لتفنيد ما بيَّناه في هذا الكُرّاس وتضليل الناس عن متابعة هذا الطرح فيه ، ولكن لم أكن أتكلم مع هؤلاء إلا بالاستدلال المنطقي المعتمد على مقدمات قطعية ووقائع حية وشواهد ثابتة ولكن مصالحهم الحزبية والشخصية والسياسية ومتابعتهم لبول برايمر الحاكم الأمريكي ورغبتهم بالتخلص من عقدة حكم الأكراد سارعوا إلى تمرير هذا النظام في الدستور من دون مراعاة مصلحة الشعب وسيادته ووحدة أراضيه ، ولذا فإنًّ كل ما كتبته من توقعات سابقة لزمانها كانت مبنية على مقدمات قطعية قد نتج عنها ما ذكرته في هذا الكُرّاس ، وعليه مَن يُصر على وجود مصلحة ووحدة وتقدم وازدهار بالنظام الفدرالي داخل العراق لا يخلو حاله إما مجنون أو عميل للمحتل أو جاهل بالجهل المركب .


أبو الحسن
حميد المقدّس الغريفي
النجف الأشرف
27/6/2014م

صــــــــانعوا الفدراليــــــــة

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك