الثلاثاء، 2 يناير 2018

أبو جعفر الموسوي

كيف أصبح عُمرَ بن الخطاب حاكماً على المسلمين ؟!!!

مقتبس من كتاب [جدلية الصحابة بين النص والعقل والسيرة] لسماحة السيد (دام ظله)

لم تكن حاكمية عُمَر منبثقة عن نصٍ شرعي أو عن شورى المسلمين ورضاهم بل هي كسابقتها إن لم تكن أسوأ حالاً منها ، فقد تَمَّ النص والتعيين عليه من قبل أبي بكر وهو في سكرات الموت بل كان مُغمَى عليه وقد كتبَ عثمان بن عفّان اسم خليفته وقد نصَّ فيها على عُمَر بن الخطاب كما جاء في الروايات ،
وقد وجدَ هذا التعيين رفضاً جماهيرياً واسعاً ومن كبار الصحابة وأهل بيت النبوة لعدم أهلية عُمَر أيضاً لحاكمية المسلمين لاتصافه بالغلظة والشدَّة والجهل بأمور العقيدة والشريعة ولم يكن له مواقف رسالية معروفة في تاريخ الدعوة الإسلامية كما ليس له مناقب وفضائل صحيحة ثابتة ومتفق عليها بل ما يُذكر في حقِّه هي من الموضوعات المؤكدة لأنَّ الشبهات كثيرة عليه والمواقف السلبية تكتنف مسيرته كما هو ثابت من تخاذله وفراره من الحروب وعصيانه أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) واعتراضه عليه في جملة أمور معلومة وإساءته الأدب مع رسول الله في عدة مواقف ولذا فقد اكتنفت حاكميته الكثير من المخالفات الشرعية حيث أحدث في الدِّين أموراً كثيرة وابتدع فيه بدعاً عظيمة وفرَّق ومَيَّزَ في تقسيمه العطاء وفق حسابات عصبية وقومية ومعايير فاسدة والحديث يطول في هذا المجال ، ولكن لمَّا عصى القوم بزعامة عُمَر أمرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورفضوا توثيق وصيته بتعيين علي (عليه السلام) خليفته من بعده بلا فصل وقالوا عنه إنَّه يهجر وقد غلب عليه الوجع حتى ارتفعت أصواتهم بحضرته الكريمة وحصل نزاع بينهم فطردهم الرسول (صلى الله عليه وآله) من بيته كما هو معروف في رزية الخميس فراجع ، وكان القوم يخشون من كتابة الوصية وقوع الفتنة ولذا رفضوها على حدِّ زعمهم !!!، ولكنَّ القوم الذين رفضوا ذلك من رسول الله فإنَّهم قبلوه من أبي بكر ولم يخشوا الوقوع في فتنة !!! إذن الشيء الذي رفضوه من رسول الرحمة والإنسانية خشية أن توقع وصيته الأمة في فتنة فإنَّه في الوقت نفسه مارسوا نفس الأسلوب وقد قبلوا من أبي بكر وكذا عُمَر وصيتهما وهما في سكرات الموت وحالة النزاع الأخير ولم يخشوا وقوع الأمة بوصيتهما في فتنة !!! ، عجباً لهؤلاء القوم الذين يتهمون بالهَجَر رسولٌ من الله ما ينطق عن الهوى ويرفضون وصيته بينما تجدهم يقبلون وصية إنسان عادي أحدث في دين الله بالانقلاب والفلتة ويجهل الكثير من أمور العقيدة والشريعة بل لا يُبالي أيضاً حتى أنَّه ارتكب المظالم الكثيرة وقد أوصى وهو في سكرات الموت حتى أنَّه أغمي عليه ولمّا أفاق وجد مكتوباً في وصيته من قبل عثمان بن عفان(1):[إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب] ، وقد ورد بشأن تعيين عُمَر للحاكمية من دون شورى ولا رضا المسلمين عنه مجموعة من الروايات ذات مضمون واحد وبطرق متعددة تحكي نفس مأساة فلتة السقيفة ومعاناة المسلمين ، نذكر منها : كما عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال(2) : [لما حضرت أبا بكر الصديق الوفاة دعا عثمان بن عفان فأملى عليه عهده ، ثم أغمي على أبي بكر قبل أن يملي أحدا فكتب عثمان عمر بن الخطاب ، فأفاق أبو بكر فقال لعثمان كتبت أحدا ؟ فقال : ظننتك لما بك وخشيت الفرقة فكتبت عمر بن الخطاب فقال : يرحمك الله ، أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا ، فدخل عليه طلحة بن عبيد الله فقال : أنا رسول الله من ورائي إليك ، يقولون : قد علمت غلظة عُمَر علينا في حياتك ، فكيف بعد وفاتك إذا أفضيت إليه أمورنا والله سائلك عنه فانظر ما أنت قائل ؟ فقال : أجلسوني ، أبالله تخوفوني ، قد خاب امرؤ ظن من أمركم وهما ، إذا سألني الله قلت : استخلفت على أهلك خيرهم لهم فأبلغهم هذا عني] .
وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن زبيد بن الحارث(1) : [أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه ، فقال الناس : تستخلف علينا فظا غليظا ، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عُمَر ، قال أبو بكر : أبربي تخوفونني ، أقول اللهم استخلفت عليهم خير خلقك] .
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) (2) : [فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذىً، وَفي الحَلْقِ شَجاً ، أرى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الاَْوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فلان بَعْدَهُ.   ثم تمثل بقول الأعشى:
                   شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا      وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ                
فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَ ! فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا وَالاْعْتَذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ، إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْط وَشِمَاس ، وَتَلَوُّن وَاعْتِرَاض.فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمحْنَةِ] .
وعن الحسن قال(1) : [لما ثقل أبو بكر واستبان له في نفسه جمع الناس إليه فقال لهم : إنه قد نزل بي ما قد ترون ، ولا أظنني إلا لمماتي وقد أطلق الله تعالى أيمانكم من بيعتي ، وحل عنكم عقدي ، ورد عليكم أمركم ، فأمروا عليكم من أحببتم ، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي ، فقاموا في ذلك وخلوه تخلية ، فلم تستقم لهم ، فرجعوا إليه فقالوا : رأينا لنا يا خليفة رسول الله رأيك ، قال : فلعلكم تختلفون ؟ قالوا : لا ، فقال : فعليكم عهد الله على الرضا ، قالوا : نعم ، قال : فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده فأرسل أبو بكر إلى عثمان فقال : أشر علي برجل ، فو الله إنك عندي لها لأهل وموضع ، فقال : عمر اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه فأفاق فقال : اكتب عمر].
فهل عثمان بن عفان يُمثل مجلس الشورى الذي يتكلم باسم المسلمين جميعاً من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر القبائل العربية في الجزيرة ؟!!! ، ما هذا الكذب على الله ورسوله والمؤمنين من ادعاء أنَّ حاكمية أبي بكر وعُمَر وعثمان قد جاءت بالشورى ؟!!! ، ثُمَّ ما هو الدليل المحكم الذي ينص على أن تكون الخلافة والحاكمية منبثقة عن الشورى؟!!! ، وما هي معالم وحدود وآليات العمل بالشورى في الكتاب والسُنَّة إن وجدت ! لنعلم بها لكي نفرز الدخلاء المقتحمين على السلطة ومن ثَمَّ نعمل بمقتضاها كمنهج إسلامي يختار حاكميته؟!!! ومَا هي مواصفات أعضاء مجلس الشورى ؟ ، فهل هُم أهل الحلِّ والعقد ؟ ، أم النُخبة من الناس ؟ أم الشعب بأسره ؟ ، ثُمَّ ما هو الميزان المُرَجِّح لجهة على جهة في اختيار الحاكم ؟ ، هل يكون ميزان الأكثرية أم يكون ميزان قوة الدليل والحجَّة أم يكون ميزان رجاحة العقل والإيمان والمعرفة والتقوى وحُسن التدبير والشجاعة وصاحب المناقب والفضائل المشهودة المتفق عليها ؟ . 
ولكن نقول : يكفي تضليل الناس والكذب عليهم وقلب الحقائق تحت مسميات وهمية يصطنعوها من نسج خيالهم وليس لها حقيقة على أرض الواقع في عموم أمراء وملوك أتباع مرجعية الصحابة منذ عهد حاكمية أبي بكر وإلى يومنا هذا حيث النزو والانقلاب والتضليل والسياسات الشيطانية الأخرى للوصول إلى الحكم والسلطة ، فأين الشورى من هؤلاء ؟! ، ونذكر النصوص الصحيحة والمعتبرة ونترك للقارئ الكريم التعليق عليها . 
وعن أسلم قال(1) : [كتب عثمان عهد الخليفة ، فأمره أن لا يسمى أحدا وترك اسم الرجل فأغمي على أبي بكر ، فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر ، فأفاق أبو بكر فقال : أرنا العهد ، فإذا فيه اسم عمر ، فقال : مَنْ كتب هذا ؟ قال : أنا ، قال : رحمك الله وجزاك الله خيرا لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا . (الحسن بن عرفة في جزئه) قال ابن كثير إسناده صحيح]  .
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال (2):[رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس ويقول : اسمعوا لقول خليفة رسول الله ، قال فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة ، فقرأها على الناس فقال : يقول أبو بكر اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة ، فو الله ما ألوتكم ، قال قيس : فرأيت عمر بن الخطاب بعد ذلك على المنبر] .
وقال الهيثمي(1): [رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح] .
ونقل ابن حبّان في كتابه (2) عن أبي حاتم أنَّه قال : [فلما حانت منية أبي بكر ... إذ قالت عائشة أتريد أن تعهد إلى الناس عهدا ؟ قال : نعم ، قالت : فبَيِّن للناس حتى يعرفوا الوالي بعدك ، قال : نعم ، قالت عائشة : إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك عُمَر ، وقال عبد الرحمن بن أبى بكر إن قريشا تحب ولاية عثمان بن عفان وتبغض ولاية عُمَر لغلظه ، فقال أبو بكر : نِعْمَ الوالي عُمَر وهو بخير له أن يلي أمر أمة محمد ، أما إنه لا يقوى عليهم غيره إن عمر رآني لينا فاشتد ولو كان واليا للان لأهل اللين واشتد على هل الريب فلما أصبح دعا نفرا من المهاجرين والأنصار يستشيرهم في عمر منهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد فقال لعبد الرحمن بن عوف يا أبا محمد : أخبرني عن عمر ، فقال : يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ولكن فيه غلظة ، لا تذكر يا أبا محمد مما ذكرت لك شيئا قال نعم ، ثم دعا عثمان بن عفان فقال : يا أبا عبد الله أخبرني عن عُمَر ، فقال : أنت أخبر به ، فقال أبو بكر : فعلى ذلك قال : إن علمي أن سريرته خير من علانيته وأن ليس فينا مثله ، قال يرحمك الله يا أبا عبد الله لا تذكر مما ذكرت لك شيئا ، قال أفعل ، فقال له أبو بكر : لو تركته ما عدوتك وما أدري لعلي تاركه والخيرة له أن لا يلي أمركم ولوددت أني خلو من أمركم وأني كنت فيمن مضى من سلفكم ثم قال لعثمان: اكتب هذا ما عهد عليه أبو بكر بن أبى قحافة إلى المسلمين أما بعد ثم أغمى عليه فذهب عنه فكتب عثمان أما بعد فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، ثم أفاق أبو بكر فقال : اقرأ عَليَّ فقرأ عليه ذكر عُمَر فكبَّر أبو بكر ، فقال : جزاك الله عن الإسلام خيرا ثم رفع أبو بكر يديه ، فقال : اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به وقد حضر من أمرى ما قد حضر فاجتهدت لهم الرأي فوليت عليهم خيرهم لهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على رشدهم .. ثم نادى عمر بن الخطاب فقال له : إني مستخلفك على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا عمر ].
ولو أردنا أن نعتمد هذا النص من دون تلك النصوص الصحيحة والصريحة وهو أنَّ ما قاله أبو حاتم من استشارة أبي بكر لهؤلاء الأربعة من الصحابة فإنَّه لم يذكر آراءهم جميعاً بل ذكر رأي عبد الرحمن بن عوف وهو صهر عثمان وتردد في جوابه من خلال ما استدركه بشأن عُمَر فقال فيه غلظة ، وأمَّا عُثمان فقد تهرب من الجواب وأوكل الأمر إلى أبي بكر وقال له : أنت أخبَر به ، وكلا الرأيين ليس فيهما تأييد لتعيين عُمَر خليفة لأبي بكر إضافة إلى عدم ذكر رأي سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وبهذا فلا موضوعية لأيِّ شورى في المقام ، ثُمَّ إنَّ هؤلاء الأربعة على ما هُم عليه لا يُمثلون شورى المسلمين يقيناً ولا أدنى مرتبة فيها إن كان لها مراتب ، ويكفي القول أين المهاجرون ؟ وأين الأنصار ؟ وأين بنو هاشم ؟ وأين سائر الصحابة من الطلقاء وغيرهم ممن يُعتد برأيهم بحسب مباني أتباع مرجعية الصحابة لأنَّهم من قريش ؟ ، ولم ينحصر الخلاف والاختلاف بين عموم المسلمين بل بين أولاد أبي بكر حيث إنَّ عائشة قد قالت: إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك عُمَر ، بينما نجد أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر قد قال : إن قريشا تحب ولاية عثمان بن عفان وتبغض ولاية عُمَر لغلظه ، ومع هذا الاختلاف والتفاوت بالآراء إلا أنَّ أبا بكر برأيه الخاص وهو بخلاف الرأي الشائع من المسلمين الذي نقله طلحة لأبي بكر والذي نقله ولده عبد الرحمن بل لم يعتمد أبو بكر على رأي أحد ٍ لأنَّ الأمر مُبَيَّت مُسبقاً من أيام السقيفة حتى أنَّ بعض الروايات تذكر أنَّ أبا بكر قد جعل عُمَر يُصلِّي بالناس مكانه !! وليس هناك أقوى دليل من الإقرار والاعتراف حيث أنَّ النصوص جميعاً تذكر أنَّ أبا بكر اجتهد في أمر تعيين عُمَر خليفة له يحكم المسلمين منها قوله: [اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به وقد حضر من أمري ما قد حضر فاجتهدت لهم الرأي فولّيت عليهم خيرهم لهم .. ثم نادى عمر بن الخطاب فقال له : إني مستخلفك على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا عمر ]. فأين الشورى من هذا كلِّه ؟ فتأمل وتدبّر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
♦ بإمكانكم مراجعة الكتاب للإطلاع على الهوامش والتعليقات ومصادر الروايات .

no image

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك