26‏/9‏/2017

أبو جعفر الموسوي

بيان حول استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)


بيان حول استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) 
  سماحة آية الله الفقيه السيد المقدس الغريفي (دام ظله) - النجف الاشرف
التاريخ :  27-7-2008 م - الموافق : 23/رجب /1429هـ

قال تعالى:[الذين يُنفقونَ في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يُحبُّ المحسنين] آل عمران/134.

بالرغم من المعاناة المستمرة و الآلام الشديدة والضغوطات الواسعة والمواقف الظالمة والإجراءات القمعية من قبل سلاطين الجور وبطانتهم الفاسدة ونفاق الانتهازيين النفعيين التي تمارس بحق الشعوب منذ فجر التأريخ وإلى يومنا هذا إلاّ أنّها لم تكن قادرة على منع العناصر الرسالية من السمو الدائم نحو الكمال وإصرارهم على الدعوة إلى الله سبحانه والتأثير في الجماهير ، لأنَّ هذه العناصر في حركتها الإنسانية المعطاء إنَّما تسير في خطٍ معلوم مؤدي إلى الله تعالى وهو سالك ومنتج سواء على الصعيد الدنيوي أو الأخروي ، وفي طبيعة حركتها أيضاً أنَّها تترك خلفها نوازع النفس الأمّارة بالسوء وقواها الغضبية والشهوانية وترفض الانحدار والوقوع في مستنقعات الإثم والرذيلة لتثبت للعالم أنّ المسيرة الجهادية في علاقات الناس فيما بينهم ينبغي أن تتحرك وفق أهداف سامية نبيلة تُبنى على أساس متين من التقوى والتعاون والسعي الجاد نحو الخير لتسود الفضيلة وينتصر الحق وتُحفظ الحقوق وتُصان الحُرمات ، وبالتالي فإنّ قوّة الارتباط الإيماني بالله سبحانه والأنس الحقيقي بالمحبوب الخالق جعل توجه الأنبياء والأوصياء في مقام الاختيار بين الحق والباطل ، وبين الشدّة والرخاء ، وبين الحبس والحرية قولهم (ربِّ السجن أحبّ إلي مما يدعونني إليه ) لأنهم يُدركون طبيعة هذه المقامات فيختارون المقام الشريف والقريب والحبيب إلى الله سبحانه وتعالى وهذا ما أدّى أن يكون يوسُف الصدّيق وموسى الكاظم عليهما السلام في السجن لسنين عديدة من دون خضوعهم إلى أدنى تنازل أو مساومة باطلة في المبدأ والعقيدة والحق عموماً ليكونوا أحراراً في سجونهم ، وهذه النتيجة الظالمة من الحبس والاضطهاد لم تكن عن حالة الاستضعاف الذاتي في شخصيتهما (عليهما السلام) كما يمكن أن يتصوره البعض ، وإنما هو استضعاف جماهيري إزاء مناصرة الحق والعدل ، كما وأنه يكشف عن استكبار الطاغوت وانتهاكه لأبسط حقوق الإنسان في الحرية الشخصية والدينية والتعبير عن الرأي الذي أرست دعائمه وقنّنت مواده كل الشرائع السماوية وحكماء البشر، كما أنَّ السجن لم يؤثر على الدعاة الرساليين في مواصلة عملهم الوظيفي وتحدِّيهم للطغاة بشجاعة وبطولة وإقدام وبوسائل وكيفيات مختلفة ، وكثيراً ما سَجَّلَ التأريخ كيف أن السجناء القادة وعلى رأسهم الإمام الكاظم(عليه السلام) كانوا يتصلون بالأنصار والأتباع من دون انقطاع لملئ الفراغات القيادية في المجتمعات ولبعث الرسائل وإيصال المكاتبات وغيرها ، ولذا تجد العالم الحُر المناضل والمدافع عن حقوقه المشروعة في مختلف مجالات الحياة والذي يسعى لاستنقاذ حقوقه وليرفع عن نفسه الظلم والإضطهاد والإستعباد يعترفون برمزية سجناءهم الثوَّار الذين رفضوا كل الإنتهاكات الفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية و...الخارجة عن ميزان العدل والإنصاف ، فهم في قضية واحدة حيث يشتركون في الدفاع عن وجودهم وحقوقهم ، وبإيمانهم وعدالة قضيتهم وشجاعتهم وثقتهم بالله تعالى يرفضون الخضوع والخنوع لإرادة الطغاة المستبدّين فيصنعون لأنفسهم وأجيالهم نُصُباً تذكارية صَمَّاء جامدة يضعوها في مكانٍ عام ترمز إلى قضاياهم ومواقفهم التحررية وآراءهم العادلة الشجاعة الحُرَّة وإن كانوا على خطأ أو انحرافٍ في مساراتٍ أخرى من حياتهم ، وتفترق الشعوب الإسلامية عن غيرها في هذا الأمر هو أنَّ الرموز الإسلامية وخصوصاً ما كان منها على قمة الهرم كالمعصوم (عليه السلام) تكون حيَّة ولها قدسية وهيبة وتكامل واستقامة في الفكر والمنهج والسلوك وبما يستوعب جميع مفردات الحياة وحيث تنبعث من هذه الرموز أطياف نورانية تتفاعل مع الناس وتُسَدِّدَهُم في حركاتهم ودعواتهم ومطالبهم وتكون لهم أسوة وقدوة كما هو حال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) الرمز الحي الشهيد الذي نذهب لزيارته في مرقده المبارك في بغداد ونستلهم منه المعاني والعبر ودروس الحياة الكريمة الحُرَّة ومعرفة التطبيقات الصالحة والاستفادة منها في حركية الأمَّة نحو النهوض والتحرر التي تبدأ بالكفر بالطاغوت ومن ثمَّ السير إلى دعوة الطغاة إلى الله تعالى وتبليغهم بالالتزام بتعاليمه العادلة كما في قوله تعالى: [فمن يكفر بالطاغوتِ ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى] البقرة/256 ، وقوله تعالى: [اذهب إلى فرعون إنَّه طغى * فقُلْ هَل لَّك إلى أن تَزكَّى] النازعات17 ، 18 ، وقوله تعالى: [وأمَّا مَنْ طَغَى * وآثَرَ الحياة الدنيا * فإنَّ الجحيم هي المأوى] النازعات/37 ، 38 ،39 ، إذن رمزنا الحي (الكاظم) عليه السلام مع ما يحمل من مبادئ وقيم وتطبيقات عادلة ينبغي علينا جميعاً أن نستَحضرها في أنفسنا و أمام الجماهير والشعوب ونستذكرها بوعي وصدق وإيمان ونستقوي بها في كل عام ونُعلنها شعيرة وطنية تُصادق عليها الشعوب بدمائها كما حدث للشهداء على جسر الأئمة الذي يزيد عددهم على الألف زائر حينما ساروا مشياً على الأقدام لزيارة الإمام الكاظم (عليه السلام) ونالوا الشهادة في يوم استشهاد إمامهم في 25 رجب على ذلك الجسر ، ومن ثمَّ لتتفاعل إحياء هذه الشعيرة بانسجام وامتزاج مع تلك الروح الحيَّة في مواجهة الظلم والطغيان والإستبداد وكَسر كل القيود التي تحجب الشعوب عن نيل حقوقها وحريتها ، لأنَّ هذا الإمام العظيم الحَي الشهيد هو يشهد ويحضر تلك الجموع الغفيرة المُعزِّية لأنَّه مصداق لقوله تعالى : [وَلاَ تَقولوا لِمَن يُقْتَلُ في سبيلِ الله أمواتٌ بل أحيَاءٌ وَلَكِنْ لاَّ تشعرون]البقرة/154 ، وقوله تعالى: [ولا تحسبنَ الذين قُتلُوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون] آل عمران/169 ، ومع أداء هذه الوظيفة الرسالية التي تقترن بمزايا الخُلُق السامي في مسلكية المعصومين (عليهم السلام) في إنفاقِهم وعفوهم وإحسانِهم ، حيث أنَّهُم يُدركون حقيقة الإحسان وفاعليته على ديمومة الحياة الكريمة بين الناس وطهارة هذا العمل وأشباهه في تأسيس الألفة والمودَّة والرحمة والمَحبَّة بين الناس التي هي انتفاضة داخلية على النفس لتجريدها من كُل مظاهر الظلم والفساد والطغيان والأنانيةِ والهوى والإرتقاء بها إلى حيث تأمر الشريعة العادلة السمحاء التي يتقرب الإنسان المؤمن من خلالها إلى الله سبحانه وتعالى لتشكل بذلك في الدنيا القوَّة الإيمانية الرادعة للظلم والطغيان ، وقد نَصَّت الآية المباركة التي ذكرناها في صدر البيان على نقاط أربعة هي من المبادئ التي جَسَّدَها صاحب الذكرى الإمام الكاظم (عليه السلام) رمز أحرار العالم في سجون الطغاة الظالمين وهي :

1- الإنفاق على الناس بشكل ثابت ومستمر بحيث لا تؤثر على هذا العمل الشريف حالات المنفق المتغيرة من (السرّاء- الرخاء) والضرّاء(الشدّة) ليدل ذلك على أصالة العمل وصدق السيرة رغم تبدل الأحوال في السرّاء والضرّاء ، وهذا الإنفاق والكرم في مختلف الأحوال ينفي صفة البخل والشحّ المقيتة التي تمنع الإنسان من أداء وظيفته الرسالية اتجاه الخالق والمخلوقين وبالتالي تؤدي به إلى حساب عسير نتيجته نار جهنم والعياذ بالله تعالى ، ولذا ورد في الحديث الحث على السعي لفعل الخيرات فهو بمنزلة الإنفاق(الساعي بالخير كفاعله) وفي مقابل ذلك تحكي الآية صورة البخلاء والآمرين بالبخل الذين يبخلون على الناس بالعطاء بل حتى بالكلمة الطيبة لأنهم يسعون بلؤمٍ وخبث لمنع الخيرات وهؤلاء أيضاً من أهل النار والعياذ بالله كما في قوله تعالى: [الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله] النساء/37 ، وقوله تعالى: [هَاأنتُم هَؤلاءِ تُدعَوْنَ لِتُنفِقوا فِي سبيلِ اللهِ فَمِنكُمْ مَنْ يبخل وَمَنْ يَبْخَلْ فإنمَّا يبخلُ عن نَّفسهِ والله الغني وأنتم الفقراء] محمد/38 ، ولهذا تجد أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) يُجسِّد لنا قمّة الكرم والخلق الرفيع والدعوة السامية ، فكان(عليه السلام) إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير ، وكانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتين دينار ، فكانت صرار موسى مثلاً يُضرَبُ بها بين الناس . وأيضاً كما في حادثة قد اصطنعها الإمام الكاظم(عليه السلام) للإنفاق من أجل تأليف القلوب وكسب مودة الأعداء ، فهذا شخص من ولد عمر بن الخطاب كان يؤذي أبا الحسن موسى (عليه السلام) ويسبّه إذا رآه ، ويشتم عليّاً ، فقال له بعض حاشيته يوماً : [دعنا نقتل هذا الفاجر ، فنهاهم عن ذلك أشد النهي وزجرهم ، وسأل عن ألعمري فذكر أنه يزرع ناحية من نواحي المدينة ، فركب إليه ، فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به ألعمري : لا توطئ زرعنا . فتوطأه (عليه السلام) بالحمار حتى وصل إليه ونزل وجلس عنده ، وباسطه وضاحكه ، وقال له : كم غرمت على زرعك هذا ؟ قال : مائة دينار ، قال : فكم ترجو أن تصيب ؟ قال : لست أعلم الغيب . قال له : إنما قلت كم ترجو أن يجيئك فيه ؟ قال : أرجو أن يجيء مائتا دينار . قال : فأخرج له أبو الحسن (عليه السلام) صرّة فيها ثلاثمائة دينار ، وقال هذا زرعك على حاله ، والله يرزقك فيه ما ترجو. قال : فقام ألعمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عنه ، فتبسم إليه أبو الحسن وانصرف . قال: وراح إلى المسجد فوجد ألعمري جالساً ، فلمّا نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته] . فكان الإنفاق سبباً لهداية هذا الإنسان ، وأيضا يكون حال الساعي للخير كحال المنفق في العمل والثواب كما أن عمل الخير لا يحدّه وقتٌ ولا حال مهما تغيرت الظروف ، ولذا ينبغي الحذر من ذرائع البخيل اللئيم الذي يَفرُّ من الجنّة إلى النار فانتبهوا لذلك .

2- كظم الغيظ ، والكظم في الأصل هو شدّ رأس القربة بعد ملئها فاستعير للإنسان إذا امتلأ حزنا أو غضباً ، والغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه ، والحال يكون الإنسان بهذه الصورة وهو يكظم غيظه في صدره ويتجنب الانفعال الخارجي معناه أنه يمتلك قدرة فائقة على التحكم بقواه الغضبية والشهوانية التي تدفعه للانتقام والأفعال الهوائية ، ولذا وصف الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) بالكاظم لكظمه الغيظ لشدّة ما لاقاه من معانات والآلام واضطهاد وحبس لقسوة السلاطين وكثرة جواسيسهم وانتهاكهم لحقوق الإنسان ، ووضعه في دائرة الاتهام نتيجة التقارير المكذوبة والمفترات عليه ، وهذا ناتج من خوف السلاطين وزبانيتهم على حكمهم وسلطانهم من الإمام (عليه السلام) رغم حركيته في تقية مكثفة حتى صارت الرواية عنه خوفاً عليه وعلى أصحابه بذكر لقبه أو كنيته أو صفته كالعبد الصالح والكاظم والصابر وأبي الحسن وغيرها ، وهذا يعني أنّ الإمام (عليه السلام) كان يعمل سرّاً لتوعية الجماهير ونشر مبادئ الإسلام الصحيح وفتح آفاق ثقافية عالية لمقاومة الفساد والشبهات والانحراف وتحصين المؤمنين فصار القدوة والأسوة في كظم الغيظ .

3- العفو عن الناس ، الذي يستند على قواعد رصينة يمتلكها الإنسان الرسالي في فهمه لطبيعة الإنسان الخطّاء ، ليساعده على تدارك حالة النقص المنبعثة من ارتكابه للخطأ وتوفير فرص الندم والتوبة والعودة إلى الحياة السليمة لتقويم ما انحرف من فهم وسلوك ، والعفو عن الناس يعني رسوخ الرحمة والرأفة في نفس صاحب العفو ، وحجب أو سلخ كل النوازع النفسية الدافعة للانتقام والثأر ما دامت عناصر الصحوة متوفرة من الندم و التوبة وتصحيح العمل ، إذن العفو صفة رحمانية راسخة ومستقرّة في قلوب الرساليين ، وليست حالة انفعالية تذهب وتجيء ، وهذا مما يُروى عن النبي(1) وأهل بيته الكرام في تكامل الأخلاق الفاضلة عندهم ففي قصّة الإمام السجاد (عليه السلام) مع جاريته حيث يُروى : [ان جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجّه فرفع رأسه إليها فقالت : إنَّ الله يقول : والكاظمين الغيظ . قال: قد كظمت غيظي .قالت: والعافين عن الناس قال: قد عفوت عنك . قالت: والله يُحبُّ المحسنين . قال: اذهبي فأنت حرّة] .

4- والله يُحبُّ المحسنين ، والإحسان إلى المسيء تدخل في تكامل العمل الرسالي الذي يفتح نوافذاً مضيئة لرفع العتمة وإزالة كل ما يمكن أن يعلق بالإنسان من رواسب نفسية كالهوى والعصبية والحقد التي ترجع بالإنسان إلى الوراء وتحجب عنه الحركة التكاملية نحو الإمام ، ولذا فالإحسان بعد العفو يُعتبر خاتمة طيبة للأعمال وتتويج لطيف لها كما أنه يكشف عن الكرماء والنبلاء من الناس الذين تتغلب فيهم القوة العاقلة على باقي القوى ، وتتجسد فيهم صورة الإيمان والوعي والإخلاص وتتقدم بهم المسيرة نحو الرقي والتقدم والازدهار .

إذن نحن نقف أمام سيرة قرآنية متكاملة تتجسد في حركية المعصوم (عليه السلام) على أرض الواقع ، فهذا الإمام الكاظم (عليه السلام) ما كان ليُحْبَس ويُضطهد ويُقتل شهيداً مظلوماً إلاّ لكونه يُمثل عنصراً للتحدّي والممانعة الرافضة لقوى الطغيان والاستبداد والظلام ، وليكون رمزاً للعاملين الأحرار الذين يرفضون الخنوع والاستعباد لشياطين الإنس والجن كما هو شأن جميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هُم دعاة إلى تحرير النفس الإنسانية أولاً من قيود الذل والهوان والهوى وبنفس الوقت هم دعاة إلى تقييدها بما يزينها ويرقى بها إلى السمو والكمال من خلال تكليفها بتحمل مسؤولية الرسالة السماوية التي تُعزّ الإنسان وتحترمه وتأبى عليه الانقياد وراء الشهوات والنوازع النفسية المريضة والآفات الخبيثة التي يحملها الطغاة وأذنابهم من النفعيين الإنتهازيين ، فكان نتاج حركية الإمام الكاظم (عليه السلام) الحكيمة الهادفة أنه استطاع أن يخترق قصر الخلافة بوزراء وموظفين في العهد العبّاسي من أجل تقويم مسار حاكمية الدولة وإصلاح الفساد بالقدر الممكن خدمة للشعب وتخفيفاً للضغط عليهم وتحسيناً للنظام العام في الدولة مما حدا بالخليفة وجواسيسه الظلمة الكذبة أن يستشعروا وجود هذه الحركة ، فصاروا يتوجسون خيفة من ذلك ، فأخذ الحاكم العبَّاسي هارون يستجيب لمضمون ما يُكتب من التقارير الكثيرة الكاذبة المفتراة على الإمام (عليه السلام) وأتباعه بأنَّهم دعاة سلطة وحكم ويسعون للثورة أو الإنقلاب على الخليفة ويُعدُّون العُدَّة لذلك من الرجال والأموال والسلاح حتى صار خوف الحاكم العبّاسي هارون يأخذ مأخذا شرِّيراً من الإمام وحاشيته ونفوذه ، فكان خلفاء بني العبّاس كما هو شأن غيرهم من سلاطين الجور يستبقون الأحداث ويصدرون الأحكام الظالمة نتيجة خوفهم من وجود عناصر رسالية قيادية في الشعب تسعى لتغيير الوضع السيء بالكلمة الصادقة والدعوة الخالصة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ولو بالأقل الممكن ، مما جعل الحكّام الطغاة المستبدين يُفَسِّرون ذلك بالسعي نحو الثورة أو الانقلاب عليهم وإزاحتهم عن الحكم وهذا الخوف الإستباقي اللا مُبَرَّر إنَّما هو من وحي الشيطان وأتباعه وحرصاً على ملذَّاتهم وشهواتهم وسُلطتهم ، كما أنَّه يُمثل أسلوب الجبناء الظلمة الذين يقتاتون على دماء المؤمنين الصادقين بلا سبب شرعي أو عقلائي سوى اعتمادهم على بطانةٍ وصولية منافقة تكتب التقارير الكاذبة لإزاحة ومصادرة وتصفية كل ما يُحتمل أن يكون عائقاً أمام مسيرتهم الضالَّة وتخوفهم الأحمق هذا على مناصبهم ومصالحهم ينبع من أدنى شبهة وريبة ، ولذا أدَّى الحال بالإمام الكاظم (عليه السلام) أن قامت السلطة العبَّاسية الهارونية بمصادرة حقوقه وحبسه لمدَّةٍ تزيد على العشرة سنوات ومن ثمَّ تصفيته بالسُمِّ . بينما الإمام (عليه السلام) لم يسعى للوصول إلى الحكم ونيل منصب الخلافة بالرغم من كونه أحقُّ بها من غيره ولكنه مارس دوره الطبيعي الرسالي لبناء الإنسان وتكامله وحفظ الشريعة وأبناءها وقضاء حوائج الناس كما أخذ يؤدّب أصحابه على الخلق الكريم من التواضع واحترام الآخرين وحفظ حقوقهم والسعي لهداية الضالِّين والإقبال الصادق على ربِّ العالمين ، و كما عن محمد بن علي الصوفي قال: [استأذن إبراهيم الجمّال رضي الله عنه على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه ، فحج علي بن يقطين في تلك السّنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر فحجبه ، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين : سيدي ما ذنبي ؟ فقال: حجبتك لأنّك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال ، وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك حجب إبراهيم الجمّال . فقلت : يا سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة ؟ فقال : إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك ، واركب نجيباً هناك مسرجاً . قال : فوافى البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة ، فقرع الباب وقال : أنا علي بن يقطين . فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار : وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي ؟! فقال علي بن يقطين : يا هذا إن أمري عظيم ، وآلى عليه أن يأذن له . فلما دخل قال : يا إبراهيم إنّ المولى(عليه السلام) أبى أن يقبلني أو تغفر لي . فقال: يغفر الله لك . فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه ، فامتنع إبراهيم من ذلك . فآلى عليه ثانياً ففعل ، فلم يزل إبراهيم يطأ خدّه ، وعلي بن يقطين يقول : اللهم اشهد ، ثمّ انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر (عليه السلام) بالمدينة ، فأذن له ودخل عليه فقبله] .

فالإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) ذلك الإنسان الكامل الشهيد المظلوم باب الحوائج الكاظم الصابر الحليم العابد حريٌ بنا أن نقصده ونحجّ إليه في يوم استشهاده ونتظاهر في مسيرة إيمانية تتشح بالسواد حزناً عليه ومواساة لأهل بيته واستذكاراً لمظلوميته لنرفع به راية الأحرار المجاهدين الصابرين بشجاعة وإيمان ليفتح لنا أُفق الإعداد المطلوب ، ولذا نوصي جميع الأحرار بالخروج في مواكب جماهيرية إيمانية في الخامس والعشرين من رجب لإحياء هذه الشعيرة فإنّ في إحياء هذه الشعيرة بإيمانٍ وإخلاصٍ وبما يتطلب من مراسيم هو من دواعي العزّ والكرامة والمُشاركة الواعية للمطالبة بالهدف الإسلامي السامي الذي كان ينشده الإمام (عليه السلام) والذي ضَحَّى من أجلِهِ إضافة إلى نيل رضوان الله تعالى والفوز بالجنان ، وإلى جميع الموالين نقول : أحسن الله عزاءكم بهذا المصاب العظيم ولا سيما نوجه تعازينا إلى حفيده صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشريف وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّ اللهم على سيّدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

بيان حول استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)

مواضيع قد تهمك

0 تعليق

تنبيه
  • قبل كتابتك لتعليق تذكر قول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد))
  • شكرا لك